48 ساعة في أبيدجان… حيث تنبض المؤسسة من الداخل

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في كل مدينة تختبئ حكاية، وفي كل مؤسسة تضيء روحٌ تنتظر من يصغي، أما في أبيدجان، فلم تكن الساعات الثماني والأربعون مجرد وقت، بل كانت غوصًا في نبض مؤسسة، واستكشافًا لتضاريسها الخفية… كما لو أن الزمن نفسه قرر أن يتوقف لوهلة ليمنحنا فرصة الإصغاء لما لا يُقال، والتمعن فيما وراء الملفات والتقارير.
كانت الرحلة إلى أبيدجان استمرارًا لما بدأ في بلاد شنقيط، لا مجرد انتقال جغرافي، بل عبورٌ داخلي من ضياء العلم إلى صُبح التنمية. عدت من موريتانيا، والنفس ما زالت مترعةً بصفاء المحاضر وشموخ القِباب، لتلقاني ساحل العاج بوجهها المتعدد، وأفقها الذي لا ينام. وفي هذه الرحلة، رافقني السيد منيسي، المدير الإقليمي لغرب أفريقيا في منظمة الأمل العالمية- تركيا، والمدير التنفيذي للمنظمة الإيفوارية للتنمية الاجتماعية- كوت ديفوار؛ رجل يختصر بحضوره هدوءَ الحكماء، ويجمع في خطاه سكينة المجرّبين، وبصيرة من درس الحياة بندًا بندًا قبل أن يقرأها في الكتب، يحمل في ملامحه أثر الشناقطة، أولئك الذين يصمتون كثيرًا، لا لعدم القول، بل لأنهم يختارون متى يقال، ومتى يُكتفى بالنظر.

بدأنا الزيارة في مقر المنظمة، لا كزائرين عابرين ولا كخبراء تقييم، بل كمَن جاء ليصغي للمكان، يقرأه من داخله، لا من واجهاته، يتأمل الوجوه لا ليحكم عليها، بل ليفهم كيف تعمل العقول خلفها. كانت اللقاءات مع الطاقم الإداري أشبه بمرايا مفتوحة، جلسات انكشاف هادئة، بلا ضغط ولا تكلف، استنطقنا فيها البصائر لا السير الذاتية، واستخرجنا ما وراء الكلمات، حتى بدا لبعضهم أننا نقرأ من داخلهم، لا من حولهم، جلسنا مع كل عضو من الفريق مرتين؛ مرةً أولى لتحليل الشخصية والأداء، ومرة ثانية لعرض هذا التحليل ومناقشته بصدق ومسؤولية. وما أروع أن تجد من يتلقى ملاحظاتك لا بعين الحساسية، بل بقلب التوق إلى التطوير، لقد أبدى الجميع موافقة تامة على ما ورد من تشخيص، بل عبّر بعضهم عن دهشته من دقة القراءة، حتى كأنها لم تكن تحليلًا خارجيًا، بل استبطانًا واعيًا لما يدور في العمق. وهذه الروح هي التي تسمح بالتحوّل، لأن التقييم في جوهره ليس حكمًا، بل بداية وعي جديد.

وانطلاقًا من هذا، تم الاتفاق على توجيه خطاب خاص لكل فرد في الفريق، يحتوي على ملخص التقييم وتوصيات واضحة، تمهيدًا لإعداد خطة شاملة تعزز الجوانب الإيجابية، وتضيّق دائرة ما ينبغي مراجعته، بحيث لا يُترك مجال للجمود، ولا مكان للعموميات التي لا تصنع فرقًا، فالإصلاح المؤسسي لا يبدأ من القمة دائمًا، بل من وعي الفريق بأثره، ومن قدرته على النظر في المرآة دون أن ينكر صورته، وكان من أبرز محطات الرحلة لقاء نوعي مع قيادة شابة فاعلة محلية، باحث دكتوراه واعد، يحمل مشروعًا ذهنيًا ناضجًا يؤهله لربط الجسر بين الفكر والواقع. كما التقينا ممثلين عن الجمعية العمومية للمنظمة، في جلسة عميقة ناقشنا فيها التحديات البنيوية والرؤية المستقبلية، وكان من أبرز ما طُرح ضرورة العناية بالتسويق الداخلي للمنظمة، لا كترف إعلامي، بل كأداة لتحفيز الفريق، وتحقيق الانسجام بين الفكرة والروح والإنجاز.

وكان للمرأة في أبيدجان نصيبها من اللقاءات، حيث اجتمعنا بإحدى المؤسسات النسوية، وتباحثنا في سبل التعاون المستقبلي، بعيون تؤمن أن التنمية لا تقوم إلا إذا شمل نورها الجميع، رجالًا ونساء، عقولًا وأرواحًا، ولم تخلُ الزيارة من دفء المبادرات التطوعية، حيث التقينا بأحد النشطاء الخمسيني الذين ساهموا في برنامج “إفطار الصائم”، وعرض تجربته ببساطة فيها من الصدق ما يعلّم المؤسسات كيف تحتضن الروح، لا فقط الأداء. لقد بدا هذا اللقاء وكأنه تذكير ناعم بأن العمل الخيري، حين يتجرّد من الروتين، يُصبح طقسًا من طقوس الرحمة التي تُربّي المجتمعات على المعنى قبل الشكل.

ووسط هذا الزخم من اللقاءات، ظل رفيقي السيد منيسي أشبه ببوصلة هادئة، لا ترفع صوتها لكنها لا تُخطئ الاتجاه. يراقب، يُدوّن، يربط، ويعيد بناء المشهد في ذهنه بحس إداريٍ ناعم لا يلفت الأنظار، لكنه يضبط الإيقاع. قال لي مرة ونحن نغادر أحد اللقاءات: “حين تملك المؤسسة شجاعة الإنصات لنبضها الداخلي، تملك شجاعة التغيير دون خوف.” فتأملت قوله ووجدت فيه تلخيصًا للرحلة كلها. لم نكن نقوّم فقط، بل نُصغي لنبضٍ يريد أن يستقيم، إن ما لمسناه في هذه الساعات الـ 48 لم يكن مجرد ملاحظات إدارية، بل انعكاس لحالة نضوج داخلية تستحق أن تُحتضن وأن تُدعم. كانت الرحلة تمرينًا حيًّا على أن المؤسسات لا تنمو بالأرقام وحدها، بل بالصدق، بالشفافية، وبالقدرة على النظر إلى الذات دون وجل. وكما قال أنيس منصور: “الناس لا يغيّرهم الزمان، بل يغيّرهم صدق المواجهة مع أنفسهم.” هكذا كانت أبيدجان؛ أكثر من مدينة، وأقلّ من صدفة، لكنها بالتأكيد نقطة ضوء في دفتر الرحلة، وموعد يتجدد كلما قررنا أن نصغي بعمق، ونُقيّم بحب، وننهض بإرادة، وسيظل الدعاء سرَّ هذا الامتداد. فكما قال إقبال: “أمة بلا دعاء، أمة بلا بوصلة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top