مائدة لا تُنسى في نيروبي…طارق، وهاجر، وطقوس العودة من أبيدجان

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في لحظةٍ نادرة يتآلف فيها الزمن مع الروح، وتحطّ المشاعر في مطار الحياة قبل الطائرات، كانت نيروبي فجر الأحد 20 أبريل 2025 على موعد مع مشهد لا يُنسى، كنت أعود من أبيدجان، محمّلًا بصمت المطارات وعبق إفريقيا الدافئ، حين صدح أذان الفجر في سماء المدينة، فتلقفتني أنوارها بخفة لا توصف، هناك، في الممرات البيضاء للمطار، كان طارق حبيبي ينتظرني. ابني، وامتداد دمي، واقف كقنديل لا تنطفئ شعلته، وعلى يساره هاجر حبيبتي، عروسه الرقيقة، التي جاءت وكأنها تكتب فصلًا جديدًا في معنى الاستقبال.

لم يكن اللقاء عاديًا، لقد اختلطت طمأنينة الأذان بروحانية الموقف، وسكينة الفجر بندى الشوق، كان حضن طارق أوسع من المسافات، وكانت ابتسامة هاجر أكثر من ترحيب، كانت احتواءً ناعمًا، فيه من الدفء ما يكفي لتذويب تعب الرحلة، وفيه من البهجة ما يعيد ترتيب نبض القلب. مشينا معًا كمن يستكمل صلاةً لم تنتهِ، إلى بيتهم العامر، لا نسابق الوقت، بل نحتضنه، في منزل طارق وهاجر، لم يكن المكان مجرد جدران وأثاث؛ كان مأوى للأرواح التي جاءت من أطراف القارات لتلتقي. جلسنا هناك في ركنٍ بسيط، تصنعه البساطة وتُؤثّثه الطمأنينة، وتدور فيه الأحاديث كما تدور الأرواح حول مرآة من الألفة. لا صخب، لا ضجيج، بل صوت الأرواح حين تتعانق بعد غياب، تهمس، تتنهد، وتبتسم. كنا هناك نرتّب الذكريات القادمة قبل أن نصنعها، نحتسي الصمت، ونُطرّز الكلمات على مهل، وكأن الوقت تمدّد من أجلنا.

وحين اقترب موعد الإفطار الصباحي المتأخر، كانت هاجر تُعيد تعريف الضيافة، لا بوصفات الطهي فقط، بل بروح تحوّل المائدة إلى حدث شعريّ. كانت تعدّ الأطباق كما تُعدّ الأغاني الهادئة لساعة الغروب، تضع البهارات كما توزّع المودّة، وتنسّق الصحون كما تُنسّق ابتسامتها في الحضور.
الفلافل كانت أوّل القصيدة، ذهبية اللون، طازجة كأنها خرجت للتو من حضن الزيت المبارك، تتهشّم بانسجامٍ في الفم وتوقظ الذاكرة على صباحات الطفولة.
جوارها استقر طبق الفول، يحمل عبق المطابخ القديمة، وطعم الجدّات، وذاكرة البيوت التي كانت تفتح أبوابها على الجيران.
وعلى الجانب، كان طبق البيض المقلي بالباسترما يفوح بنكهة الزمن الشرقي العريق، نكهة لا تغيب عن العاشقين للماضي، بينما أعدّت هاجر طبقًا آخر من البيض العادي، بتفصيلٍ خفيّ يعكس ذكاء الحب: أن تتوقّع رغبة الآخر قبل أن ينطق بها.

توزّعت الجبنات على المائدة كابتسامات صغيرة: الجبنة المثلثة التي يعرفها كل بيت، والجبنة التركية “فالمانكو” التي تحمل نكهة السفر في طياتها، والأجبان المربّعة ذات الحضور الهادئ، والجبنة الرومي التي تشبه كبار السن في وقارها وطعمها العتيق.
وبجانبها، وُضع الخبز بالنخالة الجاف المقرمش، والذي أُعدّ خصيصًا لراحتي، بعناية من يعرفونني ويحرصون على أدق التفاصيل، عروسان يعرفان أن راحة الروح تبدأ من راحة الطبع، وأن الحب يُترجم أحيانًا برغيف خبز يصنع كما أحب.

وكان طبق السلطة ملونًا كما لو أنه مشهدٌ من بستان: طماطم ناضجة، جزر مقطّع بعناية، خيار أخضر يلمع بالحياة، وملمّح من الفلفل الهندي الحار يضفي الحماسة في منتصف الانسجام.
ثم جاء البطيخ… ليس كفاكهة فحسب، بل كلوحة فنية. قُطّعت حبّاته بشكل هندسي بالغ التناسق، مربّعات حمراء تنبض بالعذوبة، أشبه ما تكون بقطع قلب تُقدّم كهدية.
يجاوره الشاي الكرك، ساخنًا كثقافةٍ لا تموت، يفوح برائحة الهيل كما يفوح الشوق من رسائل الغائبين، ويُصبّ في الأكواب كمن يصبّ الحنين في راحة اليد.

فترة الإقامة في نيروبي لم تكن مجرّد عبورٍ جغرافي، بل لحظة انكشاف داخلي، أعادت لي صفاءً كان غائبًا، وأعادت ترتيب مشاعري كما رتّبت هاجر تلك المائدة، في كل لقمة، شعرتُ أنني أستعيد جزءًا من نفسي، وفي كل رشفة شاي، كنت أُسلّم روحي لفكرة أن الحبّ يُمكن أن يُطهى، ويُقدّم، ويُحتفى به في أطباق الإفطار. لقد كانت تلك المائدة أكثر من طعام، كانت نشيدًا صامتًا لعائلة تتشكّل، وزمن يُحتفى به، ودفء يُستعاد.
في ذلك البيت، وبين يدَي طارق وهاجر، شعرت أني لم أعد من أبيدجان إلى نيروبي، بل عدت إلى مكانٍ في روحي كان ينتظر هذا اللقاء، وهذه اللحظة، وهذا الإفطار الذي لن يُنسى ما حييت.

وما دام القلب قد ارتوى من دفء اللقاء، وما دامت الأرواح قد تعانقت حول مائدة صُنعت بالمحبّة، فإنّ الختام لا يكتمل إلا بدعاء ينساب كما ينساب الضوء في أفقٍ صافٍ:
اللهم بارك لطارق وهاجر في جمعهما، كما باركت في أوليائك الصالحين، وازرع في بيتهما المودّة كزهور لا تذبل، والسكينة كنسيم لا يغيب، والرحمة كسماء لا تنقشع.
اللهم افتح لهما أبواب الرزق من حيث لا يحتسبان، واملأ قلبيهما برقة الروح ورضاك، وأكرمهما بذرية طيّبة تحمل من النور ما يُكمل هذا الجمال، ومن الصلاح ما يُرضيك.
اجعل بيتهما مأوىً للطمأنينة، ومهبطًا للبركة، ومسكنًا للعافية. اللهم إن بينهما حبًا طاهرًا، فزده صفاءً وامتدادًا، واجعل كل يوم لهما عيدًا في رضاك، وكل لحظة بينهما طاعة تُكتب في صحائف الرضا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top