|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال
اسمح لي أن أكتب لا لأروي واقعة، بل لأخلّد لحظة.
اسمح لي، حنانًا… كما استأذن القلب حين سمع تلك الإقامة، لا من باب الصوت، بل من باب الروح.
في ظهيرة يومٍ عادي، حيث الضجيج يعلو على الطمأنينة، والمهام تتكاثر كأوراق لا تنتهي، حدث ما لم يكن في الحسبان… صلاةٌ أقيمت بصوتٍ فيه حنان.
ليست الحكاية في الأذان، ولا في الصفوف المرتبة، ولا حتى في توقيت الصلاة.
الحكاية في ذلك الصوت الذي انساب كجدولٍ بين أشواك الروتين، يبللنا بشيء يشبه اليقظة.
نبرة خافتة… لكنها دافئة كدعاء أمٍّ عند السَحَر، ناعمة كتسبيح المسنّين في سكون المقابر، حانية كآيةٍ نزلت لتُطمئن لا لتأمر.
الله أكبر…
فاستدارت القلوب تلقاء المحراب.
الله أكبر…
فجفّت الأصوات، وصمتت المكاتب، حتى بدا أن كل من في المكان صار يستمع لا بالأذن، بل بجذور النفس.
قد قامت الصلاة…
قالها لا ليُعلن، بل كأنّه يُناجي، كأنّه يخاطب قلبه قبل أن يصل إلينا. في نبرته شيء من ذِكر الليل الطويل، وركعةٍ سابقة لم تنتهِ بعد.
فما هذا السر يا رب؟
أهو في تواضع النبرة؟
أم في صدق اللحظة؟
أم في القلوب التي كانت على شفا صقيع، فمددتَ لها يد الحنان بهذه الإقامة؟
لقد ذكّرني هذا الموقف بما قاله محمد الغزالي، وهو العارف بسرّ الصلاة حين تخترق النفس:
“إن الإنسان لا يُولد مرتين، إلا إذا عرف كيف يُصلي مرة واحدة صلاة تليق بالله.”
وهذا ما حدث… لقد صلّينا ظهرًا، ولكن كما لو أنها أول صلاة… بل أول ولادة.
وما بعد الصلاة…؟
فذاك أمر آخر…
الصمت لم يكن فراغًا، بل امتلاءً بالحضور.
العيون لم تنظر إلى بعضها، بل إلى الداخل، كأن كلّ منا كان يسأل نفسه: كيف وصلت إلينا هذه الرحمة دون وعد؟
أما القلب، فقد سجّل في سرّه شيئًا يشبه قوله تعالى:
“قد أفلح من تزكّى، وذكر اسم ربه فصلّى.”
تزكّينا بصوته، وذكرنا الله بإقامته، فصلّينا صلاة لم نكن نعرف أننا نملكها في أرواحنا.
أما ابن عطاء الله السكندري، فقد سبقنا إلى توصيف هذه اللحظة حين قال:
“ربّ صوتٍ صادق، يفتح الله به أبواب السكينة، كما لا تفتحها خطب الجوامع.”
وهكذا كان… لقد تعلمنا أن الإقامة لا تُتلى… بل تُحسّ.
وأن الصلاة لا تبدأ بالتكبير، بل تبدأ حين يهمس أحدهم: اقتربوا… فإن في الله ما يغنيكم.
وما أغرب التناقض…
في زحمة الأوراق والجداول، ولد فينا صمتٌ مقدس.
وفي قلب العمل، حيث يُظن أن الربح هو الغاية، عرفنا أن الربح الأعظم هو سجدة صادقة تُربح بها قلبك.
كان يمكن لهذا النداء أن يمر كأي نداء…
لكن حين خرج من فمٍ فيه الحنان، دخل القلب دون استئذان.
يا صاحبي…
لقد غادرنا المصلى لا بوضوءٍ فقط، بل بغسلٍ روحيٍ من كل ما لوّث القلب.
رجعنا إلى مكاتبنا وقد تغيّر شيءٌ في المدى…
كأن العالم بات أهدأ، وكأن الضجيج داخلي قد سكت، وكأن الحياة، بكل ما فيها من جفاف، رضيت أن تُروى بندى نبرة حانية.
هو الحنان، لا الصوت…
هو الحبّ، لا الحنجرة…
هو ذلك الدفء الخفي الذي إذا لامس قلوبنا في لحظة صدق، أقام فينا الصلاة حتى لو كنا نؤدّيها منذ سنين.
فما أحوجنا إلى هذا الصوت…
لا ليقيم الصلاة فقط، بل ليوقظ أرواحنا…
ليقول لنا، دون أن يرفع صوته: “قد قامت الصلاة… فتعالوا إلى الطمأنينة، فإنها تسكن هنا.”