|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

ليس كل مساءٍ يُؤرَّخ في الذاكرة، ولا كل مائدة تستحق أن تُدرج في دفتر الأيام، إلا أن مساء الثلاثاء السادس من مايو 2025 في بيت الفروانية العامر— حيث اجتمعت الأرواح لا الأجساد فحسب — كان من تلك اللحظات التي تنحني لها الذاكرة إجلالًا، وترتشفها القلوب كما يُرتشف شاي الكرك على أطراف المجالس الوديعة.
الدعوة كانت من آخر الأسبوع الماضي، بلمحة من نور القلب، وجهد خفيّ تسكنه المحبة. وجه أسماء إسماعيل أم شهد يشع بالودّ، وروح الشرقاوي أبو شهد تتدفق كما لو أنه وُلد على هيئة استقبال. التنسيق لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل لوحة دقيقة من حرص كريم؛ من التأكيدات اللطيفة في يوم الإثنين والثلاثاء، إلى الاهتمام الاستثنائي بموعد الوصول مساءً، فقط ليُطهى الأرز في التوقيت المقدس الذي لا يخذل طزاجته. بل إن حرص الشرقاوي امتد ليشمل وجود موقف السيارة بجوار البناية، بالتنسيق المُسبق مع حارسها، وكأن الأمر يتعلق باستقبال مَلك كريم لا ضيف عابر.
الرفقة كانت مُضيئة بوجود د محمود الابن، صاحب الحس الأدبي الرهيف والحضور الوقور. استُقبل من الباب، لا بكلمات فحسب، بل بنبضات القلوب: “تفضل يا أستاذ محمد”، “تفضل يا دكتور محمود”، قالها أبو شهد بصدق مُرحّب، وكان على يمينه حييّة شهد، وخلفها حنين بخفتها المحببة، وأسماء، تلك التي تملك سعادة في نبرتها تزرع الودّ دون تكلف.
في بهو الاستقبال، شاي الكرك يعلن عن نفسه في دفء، والتمر السكّري يبتسم بوداعة بين الأصابع. ثم يُرفع الستار عن مائدة تليق لا بالجوعى بل بالطيبين، أولئك الذين يأكلون بعيون المحبة قبل أن تسبقهم الأيدي.
كانت الشوربة من لسان العصفور ورائحة الليمون الأخضر، بداية من يشتهي الدفء لا الطعم فحسب. أرز أبيض كما البياض في نواياهم، وطاجن بسلة خضراء بلحمٍ شهيّ، كأنما نبتت في أرض الحنان ونضجت فوق نار الرعاية. صينية البطاطس بالدجاج نحتت نفسها لوحة إبداعية من يدٍ تحب الفنّ قبل الطبخ، وطبق اللحم المسلوق كان تحية الكرم البهيّ. على الهامش للمائدة، جاء المخلل رشيقًا بلون الزيتون الأخضر والجزر، وفلفل خجول، وخبزٌ محمّر ( نان خُشك ) كأنّه خرج من فرن ذاكرة حلبية.
أما الحديث على المائدة، فكان نكهته أجمل من الطعام. لطائف من يوميات الشرقاوي مع العملاء، وبسمات لا تُصطنع، بل تولد من حكايات الناس. والمفاجآت الحوارية، كان الحديث منسابًا كما النهر الذي لا يريد أن يبلغ البحر، بل يأنس بسيرِه في ضفّات القرب.
ثم جاءت الفاكهة كتحية ختام من الطبيعة نفسها: الجوافة المصرية بطزاجتها ورونقها ، والبطيخ الأحمر كأنّه مقتطع من صيفٍ غافل. لكن العصير لم يكن عاديًا، فالجوافة التي يعشقها د محمود جاءت مَزجًا بين الذوق والتقدير.
وأسماء، تلك التي يُشبه حديثها دعاءً من الأمس، قدمت بَسطا فلورا بالتمرَ من كفِّ أسماء، كأنها تهديها طيفًا من النخيل مغلفًا بعطر الشرق التي لا تخذل التذوق، فكان الختام كمن يعزف آخر نغمة في سيمفونية حبٍّ لا تتكرر.
ثم انزاح الحديث إلى ظلال المقال: “حين تنحني اللحظة لتُقبّل الذاكرة”، ذلك المقال الذي فتن الأرواح قبل العقول، فطُرحت مسابقة من عشرة دنانير لمن يقصّه بدقة، غير أن شهد — برقتها — آثرت ألا تفوز، حياءً ومحبةً لأختها حنين، التي لم يُسعفها التركيز ذلك الترم. وكان الاتفاق أن تُقام المسابقة بعد الاختيارات، لأن البيت — كما قال الرافعي — لا يُهمل أحدًا من أهله، حتى إن غاب.
وتخلل المساء اتصالات من القلوب النابضة خلف الأسوار: من الغالي د. بوأحمد إسماعيل، ومن أم أحمد، الأم التي يُشبه صوتها دعاء الفجر، ومن الدكتورة إيمان التهامي، ثم من طارق وعروسه هاجر في نيروبي، كأنما البيت قد فُتحت نوافذه على العالم.
تجاوزت الساعة الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل، وحانت لحظة المغادرة. لكنها لم تكن مغادرة بقدر ما كانت طيًّا لصفحة من كتاب الروح، صفحة كُتب فيها كل شيء: الحب، التقدير، الصدق، وحتى لحظات الصمت التي قالت ما عجزت عنه العبارات.
هكذا كانت مائدة الفروانية… ليست طعامًا ولا لقاءً فحسب، بل نصًّا إنسانيًا يليق بأن يُقرأ، وتُستعاد تفاصيله كما تُستعاد دروس الحياة. كانت بيتًا من بيوت المحبة التي تحدث عنها الزيات، ومشهدًا حيًا من رحابة الأخلاق التي كتب عنها المنفلوطي، ولو كتبها الرافعي لقال: “في هذا البيت، لا يُدعى الضيف إلى المائدة، بل تُدعى روحه إلى المودة”.
فطوبى لتلك البيوت التي إذا دخلتها، شعرت أن العالم بخير.فاللهم اجزِ أهل هذا البيت عنّا خير الجزاء، وبارك لهم في رزقهم وأعمارهم وذراريهم، واجعل محبتهم في القلوب كالغيث إذا نزل أزهرت به الأرواح… اللهم كما أكرمونا بحسن الضيافة، فأكرمهم بحسن الجزاء، واملأ بيوتهم سكينة، وقلوبهم فرحًا، وأيامهم بركة لا تنقضي.