|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

في نيروبي، حيث تغفو المساءات على شرفاتٍ وادعة، ينهض الحنين من ركنٍ قصيّ في القلب الصغير… قلبٌ لا يعرف من الدنيا إلا صدق اللحظة، وصفاء الوجوه، ودفء النداء: “جدو محمد”. عمار يحيى، طفل لم يتجاوز الثالثة من عمره، يمسك يد جده د مدحت، كمن يقبض على ظلّ من الرحمة، يسير به إلى حيث يسكن الغياب… إلى الطابق الثالث، حيث كان هناك قلبٌ يُحب، ووجهٌ يُبتسم، وذراعان تشرّعتا ذات عمرٍ لاستقبال ضحكته الأولى.
كان الثالث منزلًا لجدو محمد، لا بالمفتاح والباب، بل بالضحكة والذكرى. وحين وقف الطفل أمامه، لم يسأل: أين المفتاح؟ ولا لماذا أُغلق؟ بل قال ببساطة من لا يعرف المواربة: “أنا عايز جدو محمد.”
يا الله، كم من الحقيقة تنزل دفعة واحدة على قلبٍ لم يتعلم بعد كيف يخفيه! لا يعرف الموت، ولا يدرك الغياب، لكنه يعلم أن حبًّا يسكن خلف هذا الباب… فلِمَ لا يُفتح له؟
يردّ عليه جده، بكل ما في الكبار من حكمة، وبكل ما في القلوب من قهرٍ محجوب: “جدو محمد غادر.”
لكن الطفل لا يستوعب هذا الغياب المنطقي، فيُعيد: “بس أنا عايز جدو محمد.” وهنا نستحضر قول العقاد: “الطفل هو أصدق الموجودات، لأنه لم يتعلم بعد كيف يُخفي قلبه.”
فالوفاء عنده فطرة، لا خُلقًا مكتسبًا، وإن كان الكبار يتعلمون المحبة، فالصغار يولدون بها، نقية كقطرة ندى، صادقة كصوت الفطرة.
ويكتب الزيات: “إن في الذاكرة ضوءًا، وإن من بعض الصور ما لا يموت، لأن صاحبه سكن في قلوبنا قبل أن يسكن في قبور الأرض.”
وهذا تمامًا ما نراه في عمار… لم يكن جدو محمد عنده شخصًا، بل كان وطناً… نداءً في القلب، وظلاً في الروح، وطمأنينةً تُفتح بها الأبواب.
الجميل أن الطفل لم يُخدع بمحاولات الترضية، لم يكتفِ بالتفسير، ولم يُسلم بعذر الكبار… بل أصرّ كمن يقول: “أنا أُحب… ولا أُجادل في الحنين.” وهكذا تكون المحبة حين تكون خالصة. وقد قال الشنقيطي: “دوام الذكر في قلوب الصالحين هو الحياة الحقيقية، وإن غابت أجسادهم.” فكيف بمن كان صالح القلب، طيب اللقاء، حنون اللسان، لا يُنسى إذا ذُكر، ولا يُذكر إلا بالخير؟
في هذا المشهد، لا طفل ولا شيخ، بل روحان تمشيان على أرضٍ تسكنها الذكرى. د مدحت لم يكن يحمل حفيده فقط، بل كان يحمل معه سفرًا من الذكريات… يعود به، لا إلى بابٍ مغلق، بل إلى زمنٍ مفتوح لا تزال روحه فيه تنبض. نيروبي كانت المسرح، لكن المشهد الحقيقي كُتب في السماء… كانت أرواح الثلاثة تتلاقى: طفل يطلب، وجَدٌّ يُفسّر، وغائبٌ حاضرٌ في الذكرى، في الدعاء، في الطابق الثالث. فلنتعلم من عمار أن الحب لا يُنسى، وأن الغائبين الكبار لا يموتون، بل تُستدعى أطيافهم بنداءٍ صادقٍ على بابٍ صامت.
جدو محمد، وإن غاب الجسد، فإن روحك ما زالت تُطِلّ من شباك الطابق الثالث، تُلوّح لعمار، وتقول له: “أنا هنا يا صغيري… في قلبك، وفي نبض من عرفني، وفي كل دعاء لا يُقال إلا بحب.” اللهم اجعل غياب الأحبة حضورًا في السماء، وامنحنا صبر الأرض، وذكاء القلوب الصغيرة… تلك التي لا تعرف الكذب، فتُحب بصدق، وتنتظر بصدق، وتطرق باب الذاكرة كأنها تفتح باب الجنة.