جمعةُ الأحبة… حين يصبح الحنين طعامًا، والذكرى مائدةً، والقلوب أوانٍ لا تنفد

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في زحام الأيام، حين تتكالب الحياة وتضيق الطرق، تبقى بعض اللحظات كأنها شرفات مضيئة في جدار الوقت، تُطلّ منها الأرواح لترى المعنى، وتستظل بظلّ من ودّ لا تذروه رياح الغياب ولا تفتّ من عضده المسافات. ومن هذه اللحظات ما يُولد على مائدة، لا كغيرها من الموائد، بل مائدة الجمعة، حيث الصحبة الصافية، والرائحة التي تعبق بالحب، وتوابل الذكرى، وملح الدعاء.

في قلب الكويت، وتحديدًا في بيت المستشار النبيل أبو مصطفى عبيدو، وُلدت هذه العادة كأنها امتداد لروح المدينة الشرقية — ههيا — التي تفيض بأصالة الأرض ونقاء العشرة. يجتمع فيها صفوة من أبناء البلدة الذين حملوا معهم زاد المحبة من تراب الوطن، وجعلوا من لقاء الجمعة موعدًا مع الجمال الإنساني، ومنزل عبيدو محرابًا للمودة، ومدرسةً في البساطة والبهاء.

تبدأ القصة بعد صلاة الجمعة، حين تتوافد الوجوه الطيبة، كل يحمل بين يديه شيئًا، وفي قلبه كل شيء. أبو علي حسن، فارس الضيافة، يستقبل الجمع بالقهوة العربية التي تفوح منها رائحة التقاليد، والجلاش الحلو “البغاشة” الذي يأخذك إلى حضن أمك في يوم عيد. تضحك الأرواح، ويتحدثون عن يوم “الخبيز”، عن الفرن الذي كان يدور حوله حديث الجارات، وصوت الطفولة الذي يختلط برائحة العجين. لا يُنسى الدعاء للراحلين، الذين كانوا يومًا هنا، وأصبحوا الآن نورًا في الذاكرة، كما يُرفع الدعاء للأحياء بالصحة والستر وطول البقاء. تتقدّم المائدة، وتبدأ سيمفونية المحبة. يتصدر المشهد الدمرداش أبو عبدالله، الذي يأتي بصينية المحشي كأنها لوحة مرسومة بريشة مطبخ عتيق، الفلفل بألوانه، والكوسة تستعرض أخضرها، والباذنجان الأسمر والقطيفة البيضاء تتناغم بوقار، وكل حشوة تقول لك: “هنا صنعت أمي يومًا مجدي”. تأكل لا لتشبع، بل لتتذكر من أين أتيت.
ثم لا تكتمل الصورة دون سيمفونية المستشار عبيدو، الذي يبدع بطاجن العكاوي ولحم الموزة في صلصة غنية تحكي تاريخ قرى كاملة، ويقدم طبقًا آخر بشوربةٍ تأخذك إلى صباحات الشتاء في الشرقية، حين كانت الأمهات يقمن الطهي وقلوبهن تدعو، وأعينهن ترقب عودة الغائب. تلك الأطباق لا تُطهى على نار، بل على ذكريات وشغف، على التزام بالفرح لا يُشترى.

بعدها، يُؤدى العصر، بقلوب امتلأت وارتوت، فتُقدَّم الشاي، ومعه جولة أخرى من الجلاش، وبين رشفة وضحكة، تُسرد حكايات الأيام. صالح وحليمة وصلاح يتابعون المشهد كمراقبين لجمال لا يُكتب بل يُعاش، بينما يغيب اليوم أبو يوسف عبيدو عن المشهد الحركي، لعارض ألم بركبته، لكنه حاضر في كل تفصيلة، كل ضحكة، وكل دعاء. حفظه الله وشفاه، وزاده من نور صحبته وأثره.
ولا ينسى الجمع أن يرفع الأكفّ بالدعاء لأخيهم محمد فريح في سفره، أن يحفظه الله، ويبلّغه مقصده بخير وسلام. ثم تعود الأحاديث لأيام الطفولة، لتفاصيل المدرسة، لحقولٍ لعبوا فيها، ولقلوب صافحتهم يومًا ولم تُغادرهم قط. هذه المائدة ليست فقط لحظات تُعاش، بل قيم تُستعاد: الوفاء، المودة، الحنين، الذكرى، والسخاء. كما قال الزيات: “الذكرى طعام القلوب، فلا تجلس على مائدة لا تُقدَّم فيها الحكايات”، والسباعي قال: “الناس لا يجتمعون على مائدة طعام، بل على مائدة روح”، ومن أجمل ما قيل: “أطيب الطعام ما حمل دعاء الأمهات وهمس العابرين بالرضا”.

ما أندر هذه اللقاءات في زمن سقطت فيه المجالس، وتفرقت فيه الصحبة تحت وطأة المشاغل والهواتف. هؤلاء الرجال يصنعون الحياة بالبساطة، يعيدون تشكيل الذاكرة، يُبرهنون أن المودة لا تحتاج إلا إلى نية طيبة، وبيتٍ مفتوح، ونَفَسٍ يطبخ بحب. اللهم بارك فيهم، وبارك لهم، واجعل اجتماعهم هذا شاهدًا لهم لا عليهم، وارزقهم سعة في القلوب، قبل سعة في الأرزاق، وأدم عليهم لحظات الفرح المؤنس، واللقاء الذي يُنعش الأرواح قبل البطون. اللهم اجعلها مائدة من موائد الجنة، وموعدًا دائمًا لا يُقطع، ورزقًا لا يُنزع.

هكذا تصنع المحبة مجدها، وهكذا يُكتب التاريخ على هيئة مائدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top