رحلة في حضن الكرم.. واليوم يكتب نفسه

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

محمد تهامي

ليس كل الصباحات سواء. بعضها يبدأ بصوت الطائرات، وبعضها يبدأ بهمسة قلب يعرف وجهته. أما صباح هذا اليوم فكان شيئًا مختلفًا. انطلقت رحلتنا من دار السلام، على متن الخطوط التنزانية، في رحلة قصيرة بالزمن، عميقة بالمعنى، رفيقة بالابن الحبيب د محمود. ولعلّ في الصحبة وحدها ما يغني عن كثير من بهرج السفر، لكن الله أراد أن ينسج من تفاصيل هذا اليوم سيمفونية من لطفه، وكرمه، وجمال أقداره.

وصلنا مطار نيروبي مع أول أنفاس الفجر، والهواء الكينيّ يستقبلنا بلغة لا تحتاج إلى ترجمان. وفي أول مشهد من مشاهد اليوم، كان في استقبالنا الغالي طارق، شاب ملامحه تقول أكثر مما ينطق لسانه، تصحبه زوجته الصبوحة هاجر ضياء، بابتسامة تشبه اسمها نورًا، فكان استقبالهما امتدادًا لحبل من المودة ما انقطع، وكأننا نعود لا نزور. ومع أولى خطواتنا خارج المطار، كان لا بدّ أن تطل علينا كينيا بوجهها الصريح. شرطية تقف بثبات عند موقف السيارات، تؤدي وظيفتها الصباحية بشيء من الدقّة، وكثير من “الواجب”… لكنه واجب على طريقتها. ابتسامة خفيفة، وإصرار لا يُرد، لتأخذ رزقها الصباحي، وكأنها تقول: “هنا تبدأ الحياة بالتحية والحق معًا”. مررنا من بين يديها، وضحكة خفيفة تسري في الجو، كأنها أول جملة من رواية هذا اليوم.

ما إن أقلتنا السيارة حتى انطلق بنا طارق، وكأنه يعرف خريطة الجوع في بطوننا قبل أن نتحدث. توجه بنا إلى مطعم C J، أحد الأماكن الراقية في نيروبي، حيث الطاولات تلمع، والأطباق تقول: “أهلاً بكم في عالم آخر”. جلسنا للإفطار، وكانت أطباق الإنترناشيونال تحكي تنوع الثقافات، وكأنها طاولة أمم متحدة ولكن على طريقة الذوق. البيض بطرقه المتعددة، النقانق المحمرة، الخبز الطازج، الزبدة، والمربى، والمشروبات الدافئة… وكل طبق يحمل نكهة من بلاد، وصنع بمحبة من قلب. ثم عدنا إلى منزل العروسين، حيث الدفء لا يُشترى، والنقاء لا يُزيف. وبين ضحكات هاجر وهمسات طارق، أحسسنا بأن البيت ليس جدرانًا، بل أرواح تعرف كيف تصنع الحضن. ولأن مقر الإقامة لم يكن جاهزًا بعد، فقد كان البيت وطنًا مؤقتًا وملاذًا جميلًا حتى الحادية عشرة، حيث انتقلنا إلى محل الإقامة لنخلد إلى قسط من الراحة.

وحين تبدأ الشمس رحلتها إلى المغيب، يبدأ المشهد الأكثر حميمية في كل يوم: صوت الأذان. ومع صلاة المغرب، جاءنا طارق بندائه: “هيا نصلي ونأكل”، فاجتمعت العبادة والوليمة في توقيت واحد، فأنعم بها من ساعة. ما إن فرغنا من الصلاة حتى وُضعت على المائدة لوحة فنية من البحر. سمك مشوي تفوح منه روائح المحيط، وآخر مقلي بقرمشة تُغري قبل أن تلامس الشفاه، والخبز المقرمش الذي يكاد يقول: “أنا هنا لأجل هذه اللحظة”، ثم “مية السمك” على الطريقة الشرقاوية، تلك التي كانت توقيعًا خاصًا لأمهات مصر، فكان في الطبق حنين، وفي الطعم دعاء بالرحمة. يجاوره طبق الأرز الساخن، الذي يشبه الكساء الذي يُلَف به الحب.

لكن هذه لم تكن النهاية.

انتقلنا إلى الصالون، وما أدراك ما الصالون. هناك، كانت سيمفونية فاكهة أعدّت بإبداع لا يقل عن إبداع رسامي النهضة. بطيخ أحمر كقلب أم، مانجو صفراء كأشعة شمس في تموز، أناناس مقطع بعناية، تفاح أحمر كوجنات الأطفال، يوسفي يفوح منه عبق الشتاء، وشمام كأنك تقضم نسمة. كل ذلك يتوسطه طبق المكسرات: فستق بأنواعه، كاجو برائحته العطرة، ولب دوار الشمس ليذكرنا بأن الخير يبدأ من البذور. المشروبات؟ لا تقل شأنا. قهوة عربية لها طقوسها، شاي كيني يُشرب على مهل، حليب دافئ كحضن أم. جلسنا نتحدث، نضحك، نخطط، نحلم، وكان كل شيء يقول: “أنتم في المكان الصحيح، في اللحظة الصحيحة”.

لكن كرم كينيا، أو بالأصح، كرم طارق وهاجر، لم يعرف للحدود معنى. فبعد أن هدأت الأصوات، وسكنت الأرواح، وانشغلنا بإعداد تقرير زنجبار، إذا بالباب يُطرق من جديد. فتحت، وإذا بطارق يحمل صينية خيرات، يبتسم ويقول: “شيء بسيط للسحور”. وحقًا لم يكن بسيطًا، بل كان مرآة روحه. كانت أول ليلة من العشر الأوائل من ذي الحجة، وكأن البركة سبقت الوقت. على الصينية: ثلاثة أنواع من الجبن، الزبادي الكريمي، عسل نحل يقطر نورًا، طبق من الخيار والطماطم، وطبق مشكل من الفواكه، الخبز المقرمش، الشاي والحليب… كأننا أمام مائدة ملوك، لا في فندق، بل في بيت قلبه كبير كأرض كينيا.

تأملت الصينية، وتذكرت قول علي بن أبي طالب: “الكرم أعظم من الشجاعة، لأن الكرم ينقذ الأرواح من الفقر، أما الشجاعة فتنقذها من الموت”. وهنا، كان الكرم حيًّا يمشي على قدمي طارق، نيابة عن هاجر، يفتح بابًا جديدًا من الحكاية، ويمنح هذا اليوم معنى لا يُنسى. وهكذا انقضى يوم لم يكن في تقويم العاديين، لكنه سيبقى في تقويم القلب. يومٌ كتب نفسه بحبر الودّ، وصاغ تفاصيله بالحب، وعلّق على صدر الذاكرة كوسام. يومٌ أول في كينيا… لكنه كان كالعُمر كلّه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top