|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
في عالمٍ يتكاثر فيه الكلام حتى يضيع الصدى، لا يبقى للصدق مكان إلا في حضن الصمت. وهنا، في حضرة الألم الفلسطيني، تصمت الكلمات طوعًا لا عجزًا. فالصورة وحدها أبلغ من كل بيان: طبيبة تحتضن أكفانًا تسعة، لا لمرضى في مستشفى بل لأبنائها الشهداء.
آلاء النجار، اسمٌ بات يتلوه اليقين كأنه آية، ويتوضأ به الوجدان كما يتوضأ الطفل بدموع أمه قبل النوم. أي عرشٍ للثبات تحملين يا آلاء؟ أي نهرٍ من الصبر تجري في عروقك؟
وأي يدٍ تلك التي ما زالت تواسي الجرح وتربّت على جراح الغير، فيما قلبك يُغرس فيه تسعة سكاكين دفعة واحدة، والعاشر ما زال ينازع في غرفة العناية، بين السماء والأرض، كأنه على موعدٍ مؤجل مع الشهادة!
أمٌّ من نور، لا من دم
آلاء النجار لم تكن فقط طبيبة، بل كانت نبعًا من الحنان يسري في كل خلية فلسطينية. بيتها لم يكن مأوىً لأبنائها فقط، بل ملاذًا للجرحى، مصحةً للمنكوبين، وجبهةً للثابتين.
واليوم، لم يبقَ من زغاريد بيتها سوى صدى الأكفان، وهدير الصمت الذي لا يُفسَّر إلا بالدموع. يا آلاء، يا من جمع الله لك اسم الطهر والعطاء، إن ما حدث لك ليس مصادفة بل اختيار. اختيارٌ ربانيٌّ لأنك ممن صبروا وصدقوا فاستحقوا أن يكونوا آيةً خالدة. كما قال العقاد: “ليس الصبر أن تتحمل المصيبة، بل أن تراها نعمة وأنت في قمة الألم.”
سفراء الجنة في أكفان صغيرة
تسعة أكفان… لا، بل تسعة شموسٍ أُطفئت لتضيء في السماء. تسعة أسماء، ربما لم تُدوَّن بعد في سجل الشهداء الأممي، لكنها كُتبت بمدادٍ لا يُمحى في كتاب “وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا”. الرافعي قال يومًا: “إن من الناس من يُولدون في العاصفة، فلا تهزّهم الرياح ولا تفنيهم العواصف.” وأبناؤك يا آلاء، لم يولدوا فقط في العاصفة، بل كانوا عاصفةً من نور، أراد الله أن يصعد بها إليك لتصيري أمًّا للشهداء، وسيدةً للصبر، وأيقونة لفلسطين التي لا تُكسر.
عناقٌ لا يشبهه عناق
رأيناكِ، يا آلاء، تحتضنين الأكفان… لا بكاء، لا صراخ، بل عناقٌ هادئ كأنك تهيئينهم للنوم الأخير، تسوّين لهم أغطيتهم وتهمسين لهم بما كانت أمّهات الصحابة تهمس به لأبنائهنّ: “إن موعدنا الجنة.” ما أعظمكِ، يا أم الشهداء، حين تتعاملين مع الموت كما يتعامل غيركِ مع الحياة! سيبويه لو رآكِ، لأدرك أن اللغة أضعف من أن تصف هذا الموقف. لا قواعد، لا صرف، لا نحو… فقط شعورٌ يُبكي الجبال ويُسكن الضجيج.
رسالة إلى السماء
ربّاه… اربط على قلب آلاء النجار، كما ربطت على قلب أم موسى حين ألقت رضيعها في اليمّ دون أن تموت، بل عاشت على وعد الرجوع. واجعل من كل قطرة دم سالت على جبين أبنائها نورًا يضيء درب الأمة، ويحيي فينا نخوةً خنقها الصمت والتخاذل.
حين تصمت الكلمات
في هذا المشهد، لم يكن للبشر كلام، بل للأكفان. في هذا الركن من غزة، كانت آلاء تخيط الصبر بخيوط من دعاء، وترقّع قلبها بآيات من يقين.
ولم تبكِ لتقول: “أنا أم”، بل لتقول: “أنا الأمة”. ولم تُنكّس رأسها، بل رفعته نحو السماء كمن يهمس: “اللهم خذ الباقي، إن كان في البقاء إذلال.”
خاتمة: القدس تكتب بالدم
يا آلاء، يا من صرتِ ميثاقَ الصبر الجديد، يا من أصبحتِ عنوانًا يُعلَّق على أبواب المساجد والكنائس والجامعات، اعلمي أن دماء أبنائك ليست فداءً لفلسطين فقط، بل شهادةً على جبين الإنسانية. ولعل كلمات المنفلوطي تليق بكِ اليوم إذ يقول: “القلوب الكبيرة لا تنكسر، بل تُصقل بالمحن، حتى تُصبح أقوى من الحديد وأصفى من البلور.” سلامٌ عليكِ يوم احتضنتِ الشهادة، وسلامٌ على أبنائك يوم وُلدوا أحرارًا، واستُشهدوا أعزاء. وسلامٌ على غزة، كلما ظنّ الناس أنها سقطت، قامت من ركامها كأنها بعثٌ جديد. اللهم اجعلهم شفعاء لآلاء، واهدِ قلوبنا إلى ما اهتدت إليه، من ثباتٍ لا يُرجف، ويقينٍ لا يتزعزع. وإنا لله وإنا إليه راجعون.