|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي

كان ذلك المساء مختلفًا. لا يكتفي بالاحتفال بمطلع شهر ذي الحجة، بل يمضي أبعد من ذلك في إحياء المعنى. كان صيام اليوم الأول من هذه الأيام الفضيلة يوشّح الأرواح بشوقٍ للرفعة، والقلوب بتوقٍ للقبول، فإذا بمائدةٍ تُبسط لا لتشبع بطونًا، بل لتوقظ القيم، وتُسند المعاني، وتعيد تعريف الكرم كأنه الوحي حين يُجسَّد.
حين اجتمعنا على مائدة د أبو يحيى بنيروبي، لم تكن المائدة مجرد صوانٍ وموائد، بل كانت ساحة لقاء بين تراثٍ وتاريخٍ وروحٍ ودعوة. أما اليد التي أعدت المائدة، فهي يد الفاضلة د أم يحيى، التي جمعت بين مهارة الطهو وفلسفة الإكرام، حتى بدا وكأن المائدة تنطق بالحب، وتغني بالمودة، وتدعو للسكينة.
كان أول العناق مع طبقٍ بدا كأنه يستأذن بالدخول: شوربة لسان العصفور.
لك أن تتخيل الملعقة الأولى وهي تلامس لسانك، لا لتطعمه، بل لتخاطبه بنكهةٍ خفيفة تنحدر في الحلق كأنها دعاءُ أمّ، وكأنها تهمس: “تقبل الله صيامكم”. لم تكن الشوربة فقط مطهية بإتقان، بل بدا أن كل حرف من لسان العصفور قد رُتّل كآيةٍ من سورة الكرم، ليبدأ الصائم فطوره على دفء الطمأنينة. ثم ارتفع الإيقاع… صينية الأرز والدجاج، وقد استوت كأنها تتلو بيانًا سياديًّا في حب التلاقي بين الشعوب. كانت النكهة حكاية متعددة الجنسيات، المصري قال: “إنه أرز معمر من بيوت جدتي في ريف الدلتا!”، والفلسطيني قال: “بل هو طبقنا، لكن نكهته تميل لمدن الساحل حيث الجميد يضيف عمقًا ملوكيًّا!”، أما الأردني فتشهَّد وقال: “هذا منسفٌ بحلة أدبية، وليس مجرد وجبة”.
إنه الجميد… تلك الصخرة البيضاء التي تُفرم وتُذاب وتُطهى حتى تصبح عطرًا يسكن في الأرز. وما أعجب أن ينقل طعامٌ صغير طاولةً كاملة من حيٍ سكنيٍ إلى امتداد الشام كلّه. نعم، لقد اجتمعت المذاهب المطبخية، وتنازلت كلها عن كبريائها، لتذوب تحت سقف الكرم الشنواني العامر، وفي وعاءٍ واحد طُبخ بالإجماع.
وكان هناك طبق السلطة، ولكنه لم يكن كأيّ سلطة.
بل بدا كأنه بستانٌ مصغّر.
كأن د أم يحيى قد ذهبت إلى حديقة الحكمة، واقطفت منها ورقات الخس والجرجير والطماطم، وأدخلتها طبقًا بروح شاعر. كل قطعة خضار كانت نضرةً، كأنها وُلدت توا لتشارك في هذا الحدث العظيم. لا زيت فائض، لا توابل صاخبة، فقط بساطة معتدلة تُشبه فقه التزكية في أيام العشر: الطهارة، التوازن، والخشوع.
ولم يكن يمكن للشراب أن يكون أقل شأنًا. الكركديه البارد… ليس فقط مشروبًا لونه كدم العاشق، بل مشروب يبرد الجوف ويوقظ الذاكرة. كل رشفة كانت تربت على كتفك كأنها جدّة تقول لك: “ارتوِ ولا تنس الفضل بينكم”.
الكركديه هنا لم يكن اختيارًا عشوائيًا، بل كان رسمة من الفن، أضيفت لتختم المائدة بختم اللون والمذاق والمغزى.
وفي زاوية من المجلس، كان النقاش يلتف كالسُبحة في يد متفكر، يدور حول فضل الأيام العشر، وعن إبراهيم الخليل الذي وقف في منى وقلبه على ابنه، وعن محمد عليه الصلاة والسلام وهو يقول: “ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام”. كأن المائدة تستأنس بالحديث، وكأن الطعام صار يستمع ويؤمن.
لقد أدركت وأنا أغادر، أن هذه المائدة لم تكن مجرد احتفاء بوجبة. كانت احتفاءً بالانتماء، بالهوية الجامعة، بالأصالة. كان فيها عبق فلسطين، وهمس مصر، وعراقة الأردن، لكنها صيغت جميعها بأنامل واحدة تعرف أن الطبق إن لم يحمل في داخله نية الكرم فهو طعام فقط. أما إذا كانت النية نقيّة، فالطبق يتحوّل إلى رسالة، والمائدة إلى مدرسة.
تذكّرتُ قولَ علي بن أبي طالب: “لو كان الفقر رجلاً لقتلته”، ثم قلت في نفسي:
لو كان الكرم امرأة لكانت اسمها أم يحيى. هذه سيدة لم تُطعِمنا وحسب، بل علمتنا كيف تكون المحبة بطبق، والتواضع بصينية، وكيف تُبسط المائدة فتغدو مئذنة تدعو للصلاح. ثمّة موائد تمتلئ بألوان الطعام، لكنها تظل فارغة. وهناك موائد كبيت أبي بويحيى، تمتدّ ببركة النية الصادقة، وتفيض لتصل الأرواح قبل الأجساد.
وهكذا، في أول أيام ذي الحجة، حيث تبدأ أبواب السماء تتسع للدعاء، وحيث تتزين الأرض بالطاعات، وُضعت تلك المائدة، وارتفع فوقها دعاء الصائمين، وسجد الكرم، وابتسمت البركة. وما أعظم أن تبدأ عشر ذي الحجة بطبقٍ صادق، ونيةٍ زكية، وقلبٍ يقول: اللهم اجعل كل وجبة صدقة، وكل ملعقة حبًا، وكل مائدة خطوة نحو الجنة.