|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي

✦ تمهيد: في البدء كانت المدينة
في تلك البقعة الطاهرة من الأرض، حيث لا ينزل غيم إلا ويُسبّح، ولا يمرّ ريح إلا ويحمل سيرة نبي، نشأ عبدالقادر عثمان حافظ. ولد في المدينة المنورة، لا كأي طفل يولد، بل كما تولد الرؤى في مواقيت النبوءة: صامتة، عميقة، مشبّعة بالمعنى. هناك حيث يتداخل التاريخ في تفاصيل الحياة اليومية، حيث تمشي بين الناس فترى السكينة، وتلمس في أعينهم أثر من مرّ هنا منذ قرون. تفتّح وعي عبدالقادر في حجر تلك المدينة، التي لا تُخرّج رجالاتها بالألقاب، بل بالعزم. مدينة الأنصار والمهاجرين، حيث كان العلم شريعة، والخدمة تكليفًا، والتواضع طريقًا مختارًا لا مفروضًا.وهناك، بدأ قلبه يختزن فكرة واحدة: أن تكون الحياة ذات نفع.
يقول الرافعي: “العظيم هو من يأخذ من محيط الزمان نقطة، ويبني عليها مجدًا لأمته.” وقد أخذ عبدالقادر من المدينة تلك النقطة، ومضى بها إلى أفق لم يطرقه أحد من قبل.
✦ الفصل الأول: المهندس الذي أراد إصلاح ما بعد الجغرافيا
لم يكن حلم عبدالقادر أن يصبح رجل أعمال، ولا أن يكتفي بامتيازٍ في الهندسة. كان يؤمن أن التخصص بلا رسالة يصبح كآلة تشتغل دون وجهة. فبعد أن أنهى دراسته في الهندسة، شدّ الرحال إلى كندا، لا مهاجراً بحثاً عن رخاء، بل صاحب نيةٍ تتعدّى الحياة الشخصية إلى أفق الرسالة.أسّس هناك جمعية دار الإيمان، لتكون حاضنة للمشاريع الخيرية والتعليمية، ومدّ جسور بين الشمال والجنوب، بين العالم الذي يملك والمعوزين الذين يستحقون. وقد عبّر المسيري عن هذا النوع من الرجال قائلاً: “هؤلاء هم الذين ينقلون أوطانهم في قلوبهم، ويبنون بها أينما حلّوا.” لم يكن عبدالقادر ممن يُحدثون الضجيج الإعلامي، لكنه كان من الذين يضعون حجر الأساس لأجيال كاملة. لم يكن يخطط لبناء مسجد فحسب، بل لبناء عقلٍ ومسارٍ وإرادة.
✦ الفصل الثاني: حين تنادي زنجبار
عام 1995، تلقّى عبدالقادر دعوة من الرئيس الزنجباري الأسبق، عبود جمعة مويي، لإنشاء كلية تقنية في زنجبار. لم تكن الدعوة تقليدية، بل كانت نداءً ضمنيًا لمن يُجيد قراءة ما وراء الكلمات. زنجبار، التي عانت من الاستعمار، والفقر، والحرمان من التعليم، كانت تبحث عن مستجيب. ورأى عبدالقادر في تلك الدعوة امتدادًا للرسالة النبوية التي بدأت من المدينة: أن تُعلّم، وأن تُنقذ، وأن تبني ما يُهدم. لم يطلب ضمانات، ولا صكوك تمويل، بل وضع على عاتقه أن يجعل من جزيرة صغيرة في المحيط الهندي منارة علم تُشعّ على شرق إفريقيا بأكمله. فكما قال العقاد: “الرجال الكبار لا يقيسون مشاريعهم بما في أيديهم، بل بما في قلوبهم.”
✦ الفصل الثالث: التأسيس… زرع في بحر العوز
بدأت الأعمال فعليًا عام 1996، في ظروف لا تليق حتى ببناء مدرسة ابتدائية. لكن عبدالقادر لم يكن يبني جدرانًا، بل كان يزرع فكرة. كان يردد للمقرّبين منه أن الجامعة ليست مبنى، بل رسالة، وأن الجامعات لا تقوم على الطوب، بل على الإخلاص.بحلول أبريل 1998، افتُتحت جامعة زنجبار، كأول جامعة خاصة في الجزيرة، جامعة تُعنى بالقيم بقدر ما تُعنى بالمنهج، وتزرع في طلابها وعيًا لا يقل عن العلم، ورحم الله القائل: “ليس من الحكمة أن تنقذ الإنسان من الجوع فقط، بل أن تُشبع جوع عقله وروحه، لأن الشبع الجسدي لا يصنع حضارة.” وهذا بالضبط ما فعله عبدالقادر.
✦ الفصل الرابع: جامعة بروح المدينة
منذ تأسيسها، لم تشبه جامعة زنجبار أي جامعة أهلية تقليدية. كانت تُدار بفكر الوقف، وتُموّل من المحسنين، وتُحكمها لوائح تربوية تنبع من القيم الإسلامية. شملت كليات في الشريعة،والقانون، وتخصصات العلوم الإدارية. وكان الهدف من هذا التنوّع ليس التباهي الأكاديمي، بل سدّ حاجة المنطقة للمختصين القادرين على إدارة المؤسسات والنهوض بالواقع. وفي جلساته الخاصة، كان عبدالقادر يقول إن إفريقيا تحتاج إلى الجامعات كما تحتاج إلى الماء، وأن التعليم هو العلاج الوحيد طويل الأجل.وبهذا أصبح أكثر من مؤسس: أصبح نبيًّا في عالم الأفكار، ومهندسًا في عالم المصير.
✦ الفصل الخامس: ما لا تقوله البيانات
ربما لا توجد جوائز دولية تُمنح لعبدالقادر. ولا تمتلئ المواقع بصوره، لكنه حيّ في ذاكرة مئات الطلاب الذين وجدوا في جامعته ملاذًا، وأملًا، ودفعة أولى نحو التغيير، أحد الخريجين قال ذات مرة: “لولا جامعة زنجبار، لكنت اليوم بائع سمك في السوق. اليوم أنا قاضٍ في المحكمة العليا.” وهذا يكفي ليعلم العالم من هو عبدالقادر، فالقيمة لا تُقاس بالصوت، بل بالأثر. والظلّ الذي تمنحه شجرة واحدة، خير من ضوء مئة شمعة لا تُدفئ.”
✦ الفصل السادس: الصمت الذي يصنع الإنجاز
لم يُعرف عن عبدالقادر حافظ خطابة، ولا مقالات مطوّلة، ولا مشاهد احتفالية. بل عُرف عنه الصمت والعمل، وهي خصلة الأنبياء. لم يُعلّق اسمه على الجامعة، ولم يسعَ لأن تُدرّس سيرته، بل أراد أن يختفي خلف “الخير”، ويُضيء من خلف الستار. هذا الصمت ليس عجزًا، بل فلسفة. ففي عالم يصرخ فيه الجميع، تظلّ أصوات القيم هي الهمس العميق الذي لا يُنسى.
✦ الفصل السابع: مآلات النية الطيبة
اليوم، وبعد مضي أكثر من ربع قرن، تُعد جامعة زنجبار من أبرز المؤسسات الأكاديمية في تنزانيا، ووجهةً لبعض الطلاب من كينيا، وأوغندا، أملًا أن تكون لأفريقيا. خرجت منها نخب سياسية، وحقوقيون، وعلماء، وخطباء،، يرون في عبدالقادر “رجلًا لم يأتِ ليأخذ صورة مع خريج، بل ليجعل منهم أعمدة لوطنٍ جديد”. وربما أجمل ما يمكن أن يُقال فيه، هو ما قيل عن العظماء: “هم الذين إذا مشوا لا يُحدثون غبارًا، بل يتركون أثرًا لا يُمحى في النفوس.”
✦ الخاتمة: من المدينة إلى زنجبار.. رسالة لا تموت
إن كنت تبحث عن معنى “الرسالة” في زمن التدوير والهوية الضائعة، فانظر إلى سيرة عبدالقادر عثمان حافظ، حقًا ولا نركبه على الله- ففيه التقت المدينة وزنجبار، وكندا وتنزانيا، وتلاقت الجغرافيا كلها في قلبٍ واحد لم يسعَ لمجدٍ شخصي، بل لعطاءٍ لا يُنسى، رجلٌ بنى في ظلّ، وعلّم في صمت، وخطط دون إعلان، وترك لفعله أن يكون بيانه، ولو أردنا تخليد سيرته، لكفانا ما قيل: “ما قيمة الإنسان إلا بما يتركه حين يرحل. فإن كانت آثاره حيّة، فما مات أبداً.”