|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي

في ذلك اليوم، التاسع من ذي الحجة، حين تقف الدنيا على أطراف صمتها، ويصعد الحجاج إلى عرفات، لا ترتفع فقط أيدي الدعاء، بل ترتفع معاني القيادة إلى ذروتها. لا صوت يعلو، لا شعار يُرفع، لا راية تتمايز. الكل واقف، صامت، متأمّل، خاشع. وفي هذا السكون، تتجلّى أقوى صور القيادة في التاريخ… تلك التي تُنجز بالقلب، لا بالهتاف، وتُبنى بالصبر، لا بالصوت العالي.
عرفات ليس فقط موعدًا مع المغفرة، بل هو موعدٌ مع الوعي الجمعيّ للأمة، لحظة تصطف فيها البشرية على صعيد واحد، لا فرق بين ملك وفقير، بين عالم وأميّ، بين أمير وغريب، لأن من يقودهم الآن هو الإخلاص، ومن يُنظّمهم هو التجرد، ومن يقرّبهم من الله هو صفاء القلوب، لا ترتيب المظاهر.
تتجلى القيادة في عرفات حين لا يُنادى على أحد باسمه، ولا يُعطى أحدٌ مكانًا مميزًا، بل الجميع سواسية. وهنا تسقط أوهام السلطة الزائفة، وتظهر القيادة الحقّة التي تسكن القلوب لا الكراسي. عرفات لا يسمح لأحد أن يدّعي الزعامة، لأنه المكان الوحيد الذي يُقاس فيه الناس بما خفي من أعمالهم، لا بما ظهر من ألقابهم.
وفي عرفات، تتبدّى صورة محمد ﷺ في أعظم تجليات القيادة. كان يقف بينهم، في وسطهم، بلا منصة، بلا عرش، بلا حاجز. لم يكن خطابه لتثبيت حكم، بل لترسيخ قيم. لم تكن وقفته ليؤسس نفوذًا، بل ليؤسس أمة. كان في قلب الركب، ومع ذلك، كان هو من يقودهم جميعًا.. بكلمة واحدة، ودمعة واحدة، ودعاء واحد. القيادة الرشيدة ليست أن تقول لشعبك ماذا يفعل، بل أن تقف أمام الله معهم، وتدعو لهم قبل أن تطلب منهم، وتبكي خشية عليهم، لا فخرًا بهم، وتُرشدهم إلى الطريق، ثم تسير في مؤخرته، ليتأكدوا أن كل خطوة آمنة، لأنك جربتها قبلهم.
في عرفات، لا توجد قرارات مرتجلة. القرار الوحيد هو أن تُسلم نفسك لله، وتترك خلفك صخب الدنيا. وهكذا تكون القيادة الرشيدة: لا تدير الناس بالصوت، بل تُسكّن أرواحهم، وتفتح لهم أبواب السماء. كم من قائدٍ وقف في مثل هذا الصعيد بين الناس، فلم يره أحد، لأنه لم يُرد أن يُرى، وكم من قائد وقف بين الناس فرآه الله وحده، فرفعه بما لم يطلب، وأعزه بما لم يسعَ إليه. هؤلاء هم صناع التاريخ الحقيقي.
وفي عرفات، يتعلم القائد فنّ الصمت. فهنا لا تنفع الخطط المعقّدة، ولا الخطابات المدوية، بل تنفع دمعة، وصدق نيّة، وهمسة في جوف الليل. القيادة الرشيدة تُبنى هناك، حيث لا أحد يسمعك إلا الله، وحيث يكون إخلاصك هو مشروعك الحقيقي، لا برنامجك السياسي. في عرفات، يقف ملايين البشر في مشهد من أعظم مشاهد البشرية، ومع ذلك، لا تختنق اللحظة، ولا تنهار التنظيمات، ولا يُضيع الناس، لأن القيادة هنا لا تتحكم، بل تُنسّق، لا تأمر، بل تُهيئ، لا تتسلط، بل تُرشد. وفي هذا درسٌ أعظم: أن القيادة الناجحة ليست من تُكثر الأوامر، بل من تُبدد الفوضى دون أن ترفع الصوت.
عرفات ليس فقط يوم وقوف، بل يوم ثبات على الحق، وثقة في الطريق، وتوحّد على المعنى، وتجرّد من كل ما يعطّل الوصول. وفيه تتجلّى حقيقة: أن الأمة إذا وقفت على صعيد واحد، خلف راية صادقة، وتحت ظلّ قيادة رشيدة، فإنها تُصبح أقرب للسماء من الأرض، وأقرب للنصر من الهزيمة. وما أشبه عرفات بأيام مفصلية من تاريخنا… تلك التي احتجنا فيها إلى قائد لا يُحسن فقط الحسابات، بل يُحسن الوقوف بين يدي الله، والدعاء للأمة، والبكاء من خشيتها، والسكوت حين يضج الجميع، والابتسام حين يخاف الجميع، والرضا حين تتأخر النتائج، والثقة حين تغيم الرؤية.
ليست القيادة أن تصل سريعًا، بل أن تُمسك بيد أمتك حتى لو تعثرت. ليست أن تتفاخر بالإنجاز، بل أن تبتهل شكرًا حين ترى الناس وقد رجعوا مبرورين. ليست أن تتصدر، بل أن تُخفِي اسمك ليظهر الأثر. ليست أن تكتب سطور التاريخ، بل أن تُمنَحها لأنك كنت فيها “صاحب نية خفية وهمة عليّة”. في عرفات، تتفاضل القلوب لا الخطط، ويُكتب المجد في الصحائف لا في الأخبار، وتولد القيادة الحقيقية، لا في ضجيج المؤتمرات، بل في هدوء اللحظة، حين يعرف القائد أن شعبه بين يديه، لكنه لا يملكهم، وأنه يُنادي ربه لا مناصب الدنيا.
اللهم في هذا اليوم العظيم، اجعل لنا في قلوب القادة عرفات، وفي سلوكهم تواضع محمد، وفي قراراتهم حكمة الأنبياء. اللهم ارزق أمتنا قيادة خفية في ظاهرها، ظاهرة في أثرها، قائدة بالدعاء قبل الرؤية، وبالبصيرة قبل البيان. اللهم اجعل من أحببناهم، ورافقونا في الدعاء والسفر والنية، ممن يقفون على عرفات المجد، ويُكتب لهم في صحائف الخلود، دعوةٌ استُجيبت، ونيةٌ رُفعت، وأمةٌ صعدت على أكتافهم دون أن يعرفوا.
اللهم اكتب لهذا المقال أن يكون هدية من القلب، لمن يسكنون القلب، ولقيادة نرجو أن ترفع الأمة إلى حيث تليق بها. وما زال التاريخ لم يشهد مثلها… قيادةٌ بقدر عرفات.