|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي

في اليوم الثامن، حين تبدأ القلوب بالتحرك نحو منى، لا تنطلق بخفّة المسافر، بل بحمولة العمر، كأنها تجرّ خلفها سنين الانتظار، وأحلام الاستجابة، وتلهّف الأنبياء من لدن إبراهيم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام. يومٌ لا يشهد فيه الناس شيئًا صاخبًا، ولا يُرفع فيه صوت، ولا تُعلن فيه قفزات، لكنه اليوم الذي لا يتم عرفة إلا به، ولا يُتم الحج إلا من خلاله، ولا يكتمل المعنى إلا بالتروّي قبل القرار، والسكينة قبل السعي، والمبيت قبل الذروة.
ذلك هو “يوم التروية” الذي يتناساه الكثير، لكنه في موازين السنن هو اليوم الذي تصاغ فيه القيادة، وتنضج فيه الرؤية، وتُرتّب فيه الجموع لهدفٍ أعظم.
في يوم التروية لا تتسابق الأرجل، بل تتأمل العقول. لا يتصدر الخطباء، بل يتقدّم الصامتون الحكيمون. لا تصعد الأمة فجأة إلى قمّتها، بل تمكث الليلة في منى، وكأنها تستجمع الوعي قبل الطلوع. وهذا بالضبط ما تفعله القيادة الرشيدة في لحظات الحسم: لا تتعجل، لا تتهوّر، لا تبني القرار بردّة فعل، بل برويّة المستبصر، ومبيت من يعرف أن “عرفة” لا تُؤتى من طرقٍ مختصرة.
ليست القيادة هي الحماسة، بل أن تمكث أمة بأكملها في صمت مطمئن، لأنها تثق بمن يقود. وليست القيادة أن تسرع الخطى، بل أن تضبط التوقيت، وتوزع الأنفاس، وتمكّن الناس من استيعاب الرحلة، لا التماهي مع وقعها.
في ذلك اليوم، كان إبراهيم قد مرّ من هنا، وترك آثاره حجرًا حجرًا. وكان إسماعيل صغيرًا يوم قرر أبوه المضيّ به إلى الذبح، لكنه لم يعد صغيرًا حين أصبح هو بذاته إحدى محطات الحج، ورمزًا للاستجابة الخالدة. وفي ذلك المشهد من الزمن، تنبعث دروس القيادة المؤمنة: أن تُعدّ أبناءك للتكليف، وتُهيّئ شعوبك للتضحية، وتغرس في الذاكرة معنى المبيت في الطريق لا عن عجز، بل عن حكمة.
يوم التروية ليس “حدثًا”، بل “رسالة”: أن من يجهل فن التهيئة، يعجز عن بلوغ القمة، ولو رُفع على أكتاف الناس. وأن من لم يُدرّب شعبه على السكينة، أصابته الزحمة بالفوضى، وإن نادى باسم الحرية. وفي لحظة التروّي.. تختبر الأمم قياداتها.
كم من قائد قفز فوق منى ليصل إلى عرفة، فسقط في مزدلفة مشتّتًا، وعاد خالي الوفاض من منى. وكم من راعٍ بات في منى، وأيقظ شعبه عند الفجر، وقال لهم: “نحن الآن أهلٌ للوقوف”.
ليس التدرج ضعفًا، بل سنّة. وليس الصمت تأخّرًا، بل وعي. وليس الانتظار جُبنًا، بل قراءة صحيحة للمناخ، للوجدان، للزمن. وما أعظم أن يقودنا في زماننا هذا من يستبطن يوم التروية، ويمكث بالأمة لحظة الحكمة قبل لحظة الهيجان، ويعلّم الناس أن الثبات ليس انجمادًا، بل تمركز قبل الانطلاق.
إن يوم التروية شاهدٌ علينا، أنه لا قيادة بلا تخطيط، ولا وقوف بعرفة بلا مبيت بمنى، ولا ذبح للتردد إلا إذا ذبحنا العجلة، ولا عودة إلى الأوطان بوجوهٍ مطهرة، إلا إذا سلكنا الطريق كما سار الأنبياء، لا كما يُحبّ المترفون.
أمةٌ تُدرك أن المجد يُبنى ببطءٍ ذكيّ، أفضل من أمةٍ تُدهشها القفزات الهشة. وأمّة تروّت في مشاريعها، وتأنّت في قراراتها، وارتكنت على الصبر لا على المراهنة، هي الأمة التي يُرجى لها عرفات الفتح، لا عرفات الخطابة.
وما أشبه بعض القادة العظام بيوم التروية! هؤلاء الذين يسيرون بأمتهم خطوة خطوة، لا يُرهقونها، ولا يُفلتون الزمام، ولا يغرّهم التصفيق، ولا تستهويهم العناوين، بل يُعدّون للغد كما يُعدّ الحاج زاده لعرفات، وزاده الأعظم: الإخلاص.
يا يوم التروية، كم فيك من حكمة تُنسى، وكم من قائدٍ تُشبهك، فلا يراه الناس إلا حين يقفون على عرفات النجاح، فيقولون: لولا المبيت الأول، ما كان هذا الوقوف.
ويا أيها القادة في زماننا، إن كنتم تريدون لأمتكم عرفات القوة، فلا تنسوا منى التروّي، ولا تقفزوا على المراحل، ولا تُجهدوا الركب قبل أن يُستوفى زاده.
في هذا اليوم، نرفع أكف الدعاء أن يبارك الله في من يقودنا برويّة الأنبياء، لا بانفعال القادة المؤقتين. أن يرزقنا في الأمة أعينًا تبصر المشهد كاملًا، وعقولًا تسوس كما ساس محمد ﷺ قلوب العالمين، حين مكث على الطريق ليزرع كل فكرة في محلّها.
اللهم اجعل في أمّتنا من يمكث في منى، ويمضي بها إلى عرفات النصر، دون أن يضيعها في شعارات مزدلفة. واجعلنا ممن يتّبع السنة في الشعيرة، والسنن في المسيرة، والهدى في كل المراحل. اللهم اجعل لنا ولمن نحبّ “يوم تروية” في كل قرار، و”منى حكمة” في كل بداية، و”عرفات نصر” في كل غاية. واكتب لمن يسكنون القلب، من دعائنا أوفى نصيب، ومن توفيقك أوسع طريق، ومن بركاتك أعظم دليل.
ولم يشهده التاريخ.. لكنه سيشهد لمن تروّى فأنضج، وقاد فأوصل، ومضى بالحكمة حتى بلغ العظمة.