|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي

حين تُشرق شمس يوم الحج الأكبر، لا تضيء أرضًا فحسب، بل تنير مسالك من الحكمة، ودروبًا من القيم، وتفتح نوافذ على عالم لا تُقاس فيه القيادة بما تملك، بل بما تُقدّم. في ذلك اليوم العظيم، لا يكون العيد مجرّد زينة عابرة أو تكبيرات موسمية، بل هو لحظة فارقة تُعلن فيها الروح انتصارها على أهوائها، وتعلن فيها القيادة الرشيدة قدرتها على التجلّي في قمة التواضع، وعلى اتخاذ القرار في قمة الطاعة، وعلى تقديم النفس حين يهرب الآخرون.
عيد الأضحى لا يُولد فجأة، بل يولد كما تُولد القيم الراسخة، بعد مسيرٍ شاق: صعودٌ إلى عرفات، ومبيتٌ في مزدلفة، وسيرٌ بين الجمرات، ودمعة صادقة على مشارف منى. هناك، حيث تتلخص مناسك العمر في لحظة عزم، تُولد القيادة الحقيقية: تلك التي لا تصرخ حين تحكم، ولا تَظهر حين يَغيب الجوهر، بل تُضيء حين يعمّ الظلام، وتُطمئن حين تضطرب القلوب، ولا تفرح إلا إذا وصلت السفينة كلها، لا إن نجا الربّان وحده. في صباح العيد، يتزين الناس بثيابهم، وتتزين القيادة بثوب التضحية. الناس يتبادلون التهاني، والقيادة ترسل الطمأنينة. الناس يحتفلون بالأضاحي، والقيادة تحتفل بصون الحقوق، ورفعة المبادئ، وبذلٍ لا تُصاحبه مَنّة، ولا يُعكّره غرور. القائد الحق ليس من يُذبح له، بل من يُضحّي لأجل غيره، ويصعد بالناس لا على أكتافهم، بل معهم، وبينهم، وتحتهم إذا اقتضى الأمر.
وكان إبراهيم، عليه السلام، أوّل القادة في مسرح العيد. لم يكن أميرًا، بل أمّة. لم يكن متسلطًا، بل مطيعًا. لم يسأل عن العواقب حين جاءه الأمر، ولم يُنادِ على حاشيةٍ تُفتّش له عن فقه البدائل، بل أقبل على ابنه وقال: “يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك، فانظر ماذا ترى”.
لم تكن هذه كلمات أبٍ يُريد تنفيذ أمر، بل قائدٍ يُشرك من يحب في القرار. لم يكن يُمارس استبدادًا باسم القدر، بل يُمارس شورى باسم الحب، وإشراكًا في المسير لا في المصير فحسب.
وكان إسماعيل، عليه السلام، تابِعًا لا خائفًا، ومؤمنًا لا مُنقادًا. قال:
“يا أبتِ افعل ما تُؤمر”.
فما أعظمها من قيادة حين تتلاقى القلوب على هدف، لا تهزّها الاختبارات، ولا تُضعفها لحظة الذبح، لأنهما لم يكونا ينظران إلى الدم، بل إلى ما وراءه: إلى الحكمة، والطاعة، والعهد مع الله. وفي تلك اللحظة التي توقفت فيها السكين، ونزل فيها الكبش، لم يكن المشهد ختام قصة، بل بداية ميثاق. تجلّت فيه أعلى مراتب القيادة: طاعة دون تردّد، إذعان دون انكسار، تضحية حين يتراجع الآخرون. لم يُكتب ذلك الموقف لبيتٍ واحد، ولا لعائلةٍ واحدة، بل كُتب لكل من سيقود أمةً لاحقًا، ليفهم أن القيادة ليست ملكًا، بل ابتلاء، وأن من نجح في امتحان التضحية، رُفعت رايته إلى الأبد.
العيد، إذًا، ليس نهاية المطاف، بل إعلان ولادة مرحلة جديدة. مرحلة ما بعد الطاعة، ما بعد التضحية، ما بعد الإنجاز. وهكذا هي القيادة الرشيدة: لا تكتفي بتحقيق الهدف، بل تحرس الثمرة، وتصونها، وتزرع من فرح النصر حقولًا من البناء، لا مواسم من الغفلة. التكبيرات التي تتردد في العيد، ليست فقط إعلان فرح، بل تذكير عميق بأن “الله أكبر” من كل سلطةٍ متغطرسة، ومن كل زعامةٍ تُبنى على الصوت العالي لا على البصيرة. وما أجملها من لحظة، حين يكون التكبير في العيد صدىً لقلوب قادةٍ يُكبّرون الله سرًّا قبل أن يُكبّره الناس جهرًا. لأنهم علموا أن الملك الحق ليس لمن يُقال له “مولانا”، بل لمن يُقال فيه: “إنه كان عبدًا شكورًا”.
ما أبهى عيدًا تحكمه قيادة تعرف أن الزعامة ليست نياشين، بل سكينة. التضحية ليست حدثًا يُعرض، بل خُلقٌ يُعاش. قيادةٌ لا تُقدّم الأضاحي من أموال شعوبها، بل من تعب أكتافها. قيادةٌ تسبق الناس في ميادين البذل، لا ترسلهم فرادى وتبقى. تبكي إذا فُجعت الأمة، وتصبر حين تشتد المحن، وتُدرك أن ما يُقدّم اليوم قربانًا، هو ما يحفظ غد الأمة من التيه. تحت ظلّ هذه القيادة، يتحوّل العيد من طقسٍ عاطفي، إلى ميثاق متجدد بين الحاكم والمحكوم، بين الوعد والوفاء، بين الذكرى والمسؤولية. يصبح العيد مناسبة لا لمُعايدة الملوك، بل لمُعاهدة المبادئ. لا لتزيين القصور، بل لتطهير السرائر. لا لتوزيع الحلوى، بل لتوزيع العدل، والرحمة، والتكافل، والكرامة.
اللهم، ما أجمل أن يُقبل العيد على أمةٍ يقودها من يخافك فيها، من يُغبط على إدارته، لا يُخشى من جهله. من تحيطه الدعوات لا الحُرّاس. من إذا ذُكر، بكت الأرامل فرحًا، وتهللت وجوه المستضعفين، لأنه كان أمينًا على تعبهم، لا تاجرًا بدموعهم. اللهم في هذا العيد المبارك، ارزق أمتنا قادةً على خُطى إبراهيم، ونفوسًا كنفْس إسماعيل، وتضحياتٍ كالتي فدَيت بها، ومجتمعاتٍ تُبنى على الطاعة، وتفرح بالعطاء، وتزدهر بصدق القيادة لا بزيف الشعارات.
اللهم، اجعل من أحببناهم، ورافقونا بدعواتهم، وشاركوا بنواياهم، من المقبولين في عيدك، ومن الفائزين في سعْيهم، ومن المسطورين في كتابك لا بأسمائهم فقط، بل بأثرهم وسيرتهم ومواقفهم التي لا تُنسى.
واجعل، يا الله، من هذا المقال أضحية حب، وهدية من القلب، تُهدى لكل من سكن القلب، ولكل قائد نحلم به في زمن عزّت فيه القيادة الرشيدة، وارتفع فيه ثمن الصدق، وسكت فيه المخلصون ليُنصت الله لدعائهم. اللهم، واجعل هذا العيد بداية لاختياراتٍ جديدة، تليق بأمتك، وتُرضيك، وتُكتب بها سطور تاريخ… لم يشهده التاريخ.