مائدة لا تُنسى …رواية التروية”الكرم حين يتجلّى”

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

محمد تهامي

في صباحٍ يتهيأ له الزمان، وتتمطى فيه الروح استعدادًا لصعود عرفات، كانت الشمس لا تزال تمسح وجنتيها على مهلٍ في اليوم الثامن من ذي الحجة 1446هـ، يوم التروية، حين استيقظت القلوب لا على منبّه، بل على نداء خفيّ: أن ارتووا… فإن أمامكم مقامات العروج.

وفي زحمة النوايا، وتحت سماء مضمّخة بالتكبير، كانت هناك دعوة تختلف عن المألوف، لا تُرسل كرسالة عابرة، بل تُنسج كوثيقة وفاء، وتحمل في توقيعها اسمًا لا يُنسى: آل عبيدو.
هذه ليست مجرد مائدة طعام، بل سرديّة متكاملة من الوفاء، والبذل، وتلك اللغة التي لا تُكتب بالحبر، بل تُسطر بألوان الطيب والكرم. فقد تابع القائمون على الدعوة أدق التفاصيل، وراجعوا ما تم تأكيده في الأمس، وكأنهم يراجعون دعوة للعرض على ملوك، أو موائد لضيوف الرحمن

محمود… والطلب الذي لم يُهمَل

من وسط المشهد، خرج صوتٌ خجول، يطلب بصمت المحب وتواضع المُحبوب، أن يكون الطبق المفضل له – الأرز والدجاج – حاضرًا، لا كشرط، بل كحُلم صغير في حضرة الكبار. ولم يكن الطلب عاديًا، فقد كانت الدعوة – كما تم الإعلان – قائمة على السمك، كما هي العادة في سحور الكرماء حين يتوضؤون بالبحر. لكن في بيوت آل عبيدو، لا تُقدّم الموائد كروتين، بل تُبنى كوصايا. ولذلك لم يمر طلب محمود مرور العابرين. بل جاء الرد في صمت، لا بكلمات، بل بأفعال تليق بفن التقدير وعمق الاحترام.

مفاجأة تليق… بيوم الأضاحي

ما إن اقترب وقت الإفطار، حتى اكتشف الحاضرون أن الدعوة لم تكن على سمك فقط، بل كانت على مائدة تُشبه أيام التضحية في بهجتها، وتليق بمقام التروية في سعتها.
• صينية عكاوي مطهوة بإتقان، مغطاة بشرائح بطاطس تتنفس سمنًا وعطرًا.
• طبق لحمة موزة مسلوقة، كأنها تُعلن الطواعية والطهر، وكأن اللحم تعلّم الخضوع كما يتعلم الحجيج في عرفات.
• ملوخية خضراء، لم تكن حساءً فقط، بل قصيدة من الدفء الذي يشبه الأم.
• محشي ورق عنب، وكرنب، وكوسة، كأن الأرض كلها أهدت خيراتها في هذا اليوم المبارك.
• وصينية أرز أبيض، فوقها دجاج بانيه خاص للابن محمود، وكأن أحدهم قال: لن يُقصى من هذه المائدة أحد.

مائدة ليست كمثيلاتها

آل عبيدو – كما يقول العارفون – لا يضعون الطعام على السفرة فقط، بل يضعون معه قلوبهم، وسيرتهم، وكأنهم يستحضرون قول النبي ﷺ: “إن في الجنة غرفًا يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها…” قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: “لمن أطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلّى بالليل والناس نيام.” هذه المائدة كانت تتحدث بلا لسان. كانت تقول: هكذا نكرّم ضيفنا، وهكذا نُشعر كل من يجلس أنه الأهم، الأحب، الأقرب. لا حسابات للبروتوكول، بل حسابات القرب من الله ومن القلوب.

التروية… والكرم المُلهِم

يوم التروية لم يكن يومًا فقط لتحضير الزاد إلى عرفات، بل تحضير النفوس لما هو أعظم. كان الحجيج قديماً يُهيئون المطايا، ويجمعون الماء، ويُراجعون النية. وآل عبيدو، في هذا السياق النبيل، قدّموا مثالًا آخر للتروية… لكن من نوعٍ مختلف: تروية القلوب. روى ابن الجوزي أن الحسن البصري كان إذا رأى مائدة فيها كرم، قال: “هنيئًا لمن أطعم، وطيبًا لمن أكرم، فإنها أبوابٌ إلى الجنة، لا تُفتح إلا بمفاتيح العطاء.”

إلى يوم عرفة…

ولأن الخير لا يعرف التوقف، لم تنتهِ الحكاية عند هذه المائدة. بل جاء التواصل الحميم مع صحبة مائدة الجمعة لتأكيد إفطار الغد – يوم عرفة – وكأنهم يُعِدّون العدة لمائدة أخرى، لا تقل قدسية، ولا بهاء. فمن ذروة التروية إلى قمة الدعاء، تمتد الموائد… لا على الأرض فقط، بل في سجلات السماء.

ختام المائدة… وبدء الرواية

هكذا كانت مائدة آل عبيدو في يوم التروية: لا تُختصر في أطباق، ولا تُشكر بكلمات عابرة، بل تُروى كحكاية تليق بأن تُسطر في ذاكرة الكرم العربي، وتُدرّس في فن القيادة الأسرية، وتُقتبس في كتب البرّ والولاء.

هي مائدة… لكنها أيضًا رسالة.
هي إفطار… لكنها أيضًا وفاء.
هي ضيافة… لكنها أيضًا دعاء.

فجزى الله أصحابها خير الجزاء، وكتب لهم ما لا تبلغه كلمات الشكر، وجعل هذه المائدة شاهدًا لهم، لا عليهم، في يوم لا ينفع مال ولا بنون… إلا من أكرم وأحبّ، وسقى وارتوى، وأروى غيره من فضل الله.
وإلى عرفات… موعدنا مع مائدة أخرى، ودعاء لا يُرد، وقلوب تُشرق في حضرة العتق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top