الصورة التي نطقت بالفكرة

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

محمد تهامي

هناك صور لا تُلتقط بالكاميرا، بل تُلتقط بالوعي. وهذه واحدة منها.

في الصورة المرفقة، لا نرى مجرد لحظة فوتوغرافية مألوفة، ولا تجمعًا أكاديميًا عابرًا. نرى بذرة حلم كانت تُروى في صمت بيت، ثم خرجت إلى ساحة أمة. من عمق ثانوية عمارة رشيد بالجزائر العاصمة، في شتاء عام 1968، ارتفعت الأصوات الفكرية، لا بهتافٍ شعبوي، بل بنبرات عقلٍ حائر يبحث عن طريق. وكان المشهد التاريخي تحت إشراف رجلٍ لم يكن يملك سلطة، لكنه امتلك ما هو أثمن: شرعية الفكرة. مالك بن نبي، المفكر الذي حلم أن تكون الأمة “كائنًا حضاريًا”، لا كتلة بشرية تبحث عن قوت اليوم.

  • ملامح الصورة… وذاكرة المشروع

في كل وجه من وجوه الصورة، انعكست ملامح مشروع. جلس مالك بن نبي في المنتصف، لا ليتصدر، بل ليراقب لحظة انتقال الفكرة من دفاتر التأمل إلى دفاتر الدولة. جلس بجواره تلميذه النجيب رشيد بن عيسى، وحولهم وجوه لم تكن مجرد أسماء، بل شواهد حيّة على حضور الفكر: محمد متولي الشعراوي، محمد جلال كشك، عبد الله بوخلخال، أحمد عروة، سليم كلالشة… وغيرهم ممن جاؤوا لا ليُكرموا بن نبي، بل ليشهدوا ميلاد لحظة. وما بين العدسة والأنفاس، كانت ذاكرة المشروع تُكتب بلا أوراق.

  • من بيت الفكرة… إلى فضاء الدولة

لم يبدأ مشروع مالك بن نبي في قاعة ثانوية، بل في غرفة معيشته.
هناك، حيث كانت الأرائك تتحول إلى منابر، والأكواب إلى شهود، كانت تتشكل الخلايا الأولى لكرسي الدراسات الإسلامية الحضارية.
وفي عام 1968، حين لبّى وزير الشؤون الدينية العربي سعدوني الدعوة لتبني فكرة الملتقى، كان ذلك إيذانًا بأن الدولة، رغم كل تناقضاتها، باتت تُنصت ولو للحظة لصوت الفكرة. وهكذا خرجت الحلقات من البيت إلى الثانوية، ثم من الثانوية إلى الوزارة، ثم من الوزارة إلى الوعي العام. لقد تحققت اللحظة التي لطالما انتظرها بن نبي: أن تكون للفكرة منصة، لا مجرد ندوة.

  • عراقيل بلا دخان… ونار صامتة

لكن، وكما يحدث دومًا في دراما الأفكار الكبرى، لم يكن الطريق ممهدًا. في مذكراته، أشار بن نبي إلى ما سمّاه بـ”المناوشات الفكرية غير المعلنة”:
• رسائل الدعوة المتأخرة عمدًا لبعض الضيوف
• محاولات لإنهاء الملتقى قبل يومه الأخير
• همسات لإبعاد بن نبي عن كلمة الختام

لقد كانت معركة وجود للفكرة، لا جدلًا إداريًا. لكن، كما يقول سقراط: “الفكر الذي لا يمر بالنار، لا يستحق أن يُقال عنه فكر.”

  • تلميذ يُدوّن الحلم: رشيد بن عيسى

في ظلال الصورة، وقف رشيد بن عيسى، التلميذ الذي لم يكن مجرد ناقل، بل مؤسس مساعد لكرسي المستقبل. كتب، وأرّخ، ودافع، وكان شاهداً حيًا على انتصار المبدأ في لحظة كادت أن تُدفن. لقد كان هو “ذاكرة المشروع”، الذي نقل روح بن نبي من الجلسة الخاصة إلى المنصة العامة، ومن الدفتر الشخصي إلى الأرشيف الوطني

  • بين المعنى والحدث… تفكيك الدلالة

هذه الصورة تُجسد، ببساطة، ما يمكن تسميته بـ: “انتقال الوعي من الهامش إلى المركز.”
• الهامش: بيت متواضع فيه مفكر، يطرح الأسئلة ولا يجد من يُنصت.
• المركز: قاعة رسمية، تحت إشراف الدولة، يستمع فيها الجميع لفكر لا يُشبه الخطاب السائد.

لقد كانت هذه اللحظة، بكل بساطة، هي إعلان وجود “كرسي دراسات بن نبي”، قبل أن يُكتب اسمه رسميًا على أي لوحة.

  • والكرسي… ماذا بعد؟

اليوم، حين ننظر إلى هذه الصورة، لا نراها كوثيقة ماضية، بل كأمر مُعلّق في رقابنا. إن إعادة بعث كرسي “مالك بن نبي” ليس تكريمًا له، بل هو وفاء لفكرة لم تكمل دورتها.
كرسي لا يدرّس “ما قاله بن نبي”، بل “ما الذي تركه لنا لنكمله”. فالأفكار العظيمة لا تموت بنهاية الملتقيات، بل تُدفن عندما لا تجد من يُكملها.

  • في الختام… ما الذي نراه؟

في الصورة نرى:
• رجلًا سبق زمنه
• طلابًا احتشدوا لأجل الفكر
• دولة كانت تُنصت، ثم تراجعت
• لحظة كان يجب أن تُصبح تقليدًا… لكنها بقيت ذكرى
لكننا نرى أيضًا شيئًا لا تلتقطه العدسات: نرى الفكرة التي ما زالت تنتظر من يُعيدها إلى الحياة… لا بالكلام، بل بالفعل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top