صباح العيد في ضيافة أحمد الشرقاوي وأسماء غريب

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

محمد تهامي

ثمة موائد تُفرش للطعام، وثمة موائد تُفرش للمحبة. وثمة صباحات عيدٍ تمرّ، لكن واحدًا فقط منها يلتصق بالذاكرة حتى يبدو وكأنه لم يغادر قط. صباحٌ فيه الرائحة وطن، والمذاق ذاكرة، والوجوه آيات، والمائدة نشيدٌ من ألف سطر.

لم يكن هذا اللقاء مجرّد إفطار بعد صلاة العيد، بل كان شعيرةً صادقة يُؤديها القلب كل عام على عتبة بيتٍ لا يغلق بابه منذ بداية الألفية. بيتٌ صار اسمه في الذاكرة مرادفًا لعيد الأضحى، ومائدةٌ لا تُخطئ ميعادها، كأنها آية محفوظة من سورة الحياة.

البدايات لا تموت

كل شيء بدأ منذ سنوات طويلة، حين قرّر أحمد الشرقاوي أن يكون للعيد معنىً أبعد من المصافحة وتبادل التهاني. قرر أن يُقيم مائدة، لكنها لم تكن يومًا عن الكبدة أو الفول… بل كانت عن الوفاء. مائدة تأسست على النية، واستمرت على الوصل، لم تنقطع منذ مطلع الألفية، تمرّ الأعياد والسنون، فتتبدّل الدنيا ويبقى موعدها ثابتًا، كأنها نذرٌ لا يخلفه الزمن.

عيد الفطر لها فول وأخوته، وعيد الأضحى لها كبدةٌ وقلوب وأخواتها، وتبقى الدعوة واحدة: “صباح العيد… بعد الصلاة… مائدة الشرقاوي وأسماء غريب.”

ومع كل ذي حجة، تبدأ رسائل أسماء تنهال برقّة وإصرار:
– “لا تنسوا موعدنا…”
– “سنتجمع بعد الصلاة كالعادة…”
متابعة أولى… ثم ثانية.
لكنها ليست تذكيرًا بموعد فقط، بل هي شدّ الحبل بين القلوب كي لا ينقطع، وتجديد للميثاق بين الصحبة والنية الطيبة.

السيارة تعرف الطريق

عقب الصلاة مباشرة، ينفر الناس كلٌّ إلى وجهته… أما نحن، فوجهتنا معروفة، نركب السيارة وهي على “هَدِّها”، لا تحتاج إلى خرائط،
كأنها حفظت العنوان من كثرة التكرار، تعرف أنها ماضيةٌ إلى الفروانية، حيث الطيبون لا يرحلون،
وحيث الإفطار ليس أكلاً، بل استقبالٌ بعطر الشاي وأجمل القِرى.

السيمفونية التي لا توصف

وصلنا… فتفتّحت الأرواح كما تتفتح أبواب البيوت القديمة على المفاجآت.
كان الشاي الكرك في انتظارنا، دافئًا برائحة الهيل، تجاوره صَحْنُ تمرٍ لا يعرف إلا الفخامة: رطب سكري، وعجوة من المدينة، ليبدأ اليوم كما بدأ النور في مكة: تمرة أولى… وسجدة قلب.

ثم جاء النداء الذي تتشوّق له البطون قبل الأذان:
“جاهزين للكبدة؟”
لكنها ليست أي كبدة… بل هي سيمفونية من ألف طبق:
• طبق الكبدة الطازجة…
• وطبق القلوب المنثورة بلطف في صحن الوفاء…
• والمخلل المصري المعتّق بنكهة الأزمنة…
• وصحن الجرجير، والبصل الأخضر…
• والخبز المصري الساخن الذي يخرج من الفرن كأنّه خرج لتوّه من صدر الطيبة…
• والفينو، المسمى بالكويت “الصمون”، كأنه جسرٌ بين الثقافات.
• وأخيرًا، طبق السلطة المفرومة يدًا بيد:
طماطم وخيار وفلفل أخضر طويل… نُقش عليهم حب العيد.

وهناك، وسط كل هذا…
يجلس أحمد الشرقاوي بهدوئه المحترف، يهندس السندوتشات،
كأنّه يصنع لوحة، لا وجبة،
يضع الخبز، ويحسب حجم القطع،
ويخلط الطعوم بطبقة من الذوق لا تُرى… لكنها تُحس.

المشهد الذي لن يُنسى

د محمود يقترب من المائدة، يتأمل كل هذا الجمال، لكنه لم يجد ما يناسبه، وقبل أن ينطق، لمحت أسماء ذلك الصمت… وهبّت باستحياء، ولسان حالها يقول:
“لماذا لم نعرف؟ كنا جهّزنا ما تحب.” وبلمح البصر… يظهر طبقٌ جديد: بيض، جبنة، لبنة.
ليس المهم الطبق، بل المحبة التي اختصر بها الموقف: أن تفهم الآخر قبل أن يتحدث، وأن تُطعمه ما يطيب له دون أن يطلب. تلك هي الأخلاق التي لا تُعلَّم… بل تُورث.

الحلوى التي تُشبِع الروح

وبعد أن امتلأت الأجساد برحمة الطعام، كان على الأرواح أن تشرب من نهر الحلوى:
طبق الفاكهة: عنب أحمر وأخضر، خوخ ومشمش بأنواع مختلفة…
ثم جاءت صينية البسبوسة،
تتمايل كبساط مدهون بالمحبّة، محمّلة برائحة السمن والسميد،
كأنها تحكي عن بيتٍ مصري لم تغادره الجدّات.

حين اجتمع الفرح بالتفوق

هذا العيد حمل نكهةً أخرى، كان احتفاءً بتفوق شهد وحنين، وكان التعبير عن الفرحة لوحةً بديعة:
كيكة مزينة بصورتهما، كأنّ المائدة احتضنت إنجازًا من نور،
وقالت للبنات: “فرحنا لا يكتمل إلا بكم.”

المعاني التي تسكن بين السطور

لو كتب ابن حزم الأندلسي عن الحب على المائدة، لقال: “إن الحب هو أن تسبق الطبخة رغبةُ المُضيف، وأن تُزين المائدة بالعين قبل أن تتذوقها اللسان.” ولو شهد غوته هذه المائدة لقال: “ليس الطعام ما يُشبع الجسد فقط، بل هو احتفال العقل بالقيمة.”
ولو رأى الرافعي تلك اللحظات، لكتب: “هكذا يكون العيد حين يُكتب بالرحمات، وتُقرأ فيه القلوب كما تُقرأ الكتب.”

الخاتمة… في سفر الذكرى

هذه المائدة… لم يُدونها المؤرخون،
لكنها كُتبت في صحف الودّ، وسُطّرت في دفاتر الأرواح.
كلّ من حضرها يعلم جيدًا:
أنه شهد صباحًا لا يُنسى،
أنه شارك في شعيرةٍ من شعائر الألفة، أنه جلس إلى مائدةٍ لا تنقطع…لأنها مائدة صُنعت من حب لا يبرد. فهل يحتاج التاريخ أن يدونها؟
كلا… لأنها دُوِّنت في أعظم من كتب:
في ذاكرة القلب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top