ورقةٌ علّمتنا العيد “خطّ، وفاء، حياة”

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

محمد تهامي

المقدمة
في زحام الأيام، تبقى لحظات العيد كجُزرٍ مضيئة في ذاكرة العمر، لكن حين تكون هذه اللحظات موثّقة بخط اليد، بخط أبٍ رحيم، فالأمر يتجاوز الذكرى ليصبح إرثًا روحيًا، ومنارًا لأجيال. الصورة التي كتبها والدنا بيده، تلك الورقة التي سجّل فيها أسماء أقاربه ووجوه رحمٍ أحبهم، لم تكن مجرّد جدول زيارات، بل كانت صكّ حب، وبيان وفاء، ورسالة صامتة تقول: “القلوب لا تكتمل فرحتها إلا بوصل الأرحام”.

  1. حين تكتب القلوب لا الأقلام

لم يكن الوالد، رحمه الله، يكتب كثيرًا، لكن حين يكتب، كان حبره مشبعًا بالمعاني، بخط يده الحنون سجّل قائمة أسماء، أناس لا تربطه بهم مجرد صلة دم، بل عمق العِشرة، ورحم محبة، وبوصلة وجدانية لا تعرف الانحراف. في تلك الورقة، التي كانت تحمل تفاصيل زيارته يوم عيد الفطر لعام 2017 م، نقرأ أكثر من كلمات، نقرأ طقوسًا روحية، ونظامًا اجتماعيًا رسمه بإتقان المحبة، وهندسة الوفاء، وقواعد لا يعرفها إلا الكبار: “ابدأ بالأقرب، مرّ على المرضى، لا تنسَ الضعفاء، واذهب حتى لمن خذلك، فالعيد أعظم من الخصومات.”

  1. صوت زينب وذاكرة العيد

كانت المكالمة عابرة، هاتفيّة بسيطة، بيني وبين شقيقتي زينب أم بلال، لكن صوتها كان يحمل شيئًا غير مألوف، كأنّ نبرة الشوق إلى الوالد، رحمه الله، خرجت من أعماق زمن بعيد، وجاءت إلينا عبر سُلم الدموع. قالت لي: “أتذكر كم كان حريصًا بعد الصلاة أن لا يفوّت بيتًا من بيوت الأرحام؟ كان يعود عند المغرب، وقد سلك دروب المحبة، وخط على الأرض خارطة صلة، لا تُقاس بالمسافات بل بحرارة القلوب.”

  1. الرسول مقامه رسول

حين شاخ الجسد وضعف، لم يشخ القلب، ولم تضعف الروح. تقول زينب: “حين لم يعد يستطيع المشي، لم يتنازل عن المبدأ، بل أرسل من ينوب عنه”، وكان الوالد يختار بعناية من يُرسل، كأنه يقول: “أمانة الزيارة لا تليق إلا بمن يفهم مقامها.” في أحد الأعياد، طلب من زينب أن توصل “عيدية” بسيطة: 20 جنيهًا، إلى إحدى القريبات، وكانت متزوجة من عائلة ذات وجاهة، فاستحيت زينب من قلة المبلغ. في تلك اللحظة دخل ابن عمنا، فسأله الوالد بتلقائية الكرم وثقة الحب: “هل توصّلها عني؟”، فوافق، ومضى.

  1. حين عاد الطارق بكنز

وبعد برهة، عاد ذلك الطارق، زوج القريبة، لكن عاد هذه المرة لا ليبادل تهنئة، بل ليُسطر فصلًا من قصة إنسانية. قال للوالد، الذي أثقله المرض وجعل الكرسي عتبةً للبُطولة: “علمنا أنك مريض، فجئنا نطمئن.” ثم قال عبارة حفرتها الذاكرة في وجداننا: “هذه العيدية التي أرسلتها أغلى من كنوز الدنيا.” لم تكن العشرون جنيهًا قيمة مادية، بل كانت برقية قلب، ودمعة دعاء، ونبض محبة صادقة، صدرت من رجل جعل من العيد موعدًا سنويًا لتجديد العهد، لا للفرح فقط، بل للمعنى، وللصلة، وللبذل مهما كانت الظروف.

  1. مدرسة لم تكتب مقرراتها

ورقة الوالد، التي التُقطت لها صورة ذات صباح، ليست مجرد ورقة، إنها منهاج حياة. كتب فيها مَن سيزور، وبكم سيُهدي، وترك بجوار بعض الأسماء علامة صح، أو نجمة، أو ملاحظة، كلها شيفرات لا يقرؤها إلا من عاش في كنفه، وتربى على نُبله.

كان هناك من كُتبت له 1000، وآخر 20، لكن الكل متساوٍ في العاطفة، فالمقياس لم يكن المال، بل نوع العلاقة، وخصوصية القلب، ودرجة القرب. كم نحن بحاجة اليوم إلى إعادة النظر في مفهوم “الهدية”، و”صلة الرحم”، و”المبادرة”، كما كان يفعل هذا الرجل الذي صار بدفتره الصغير أعظم من أي مسؤول كبير.

  1. العيد بوصلة الأخلاق

كثيرون يستقبلون العيد بثوب جديد، وبسمة على الشفاه، لكن قلة هم من يجعلون العيد مشروعًا أخلاقيًا، كما فعله والدنا. هو لم يوزع أموالًا فقط، بل وزّع دفئًا، وحفر أثرًا، وعلّمنا أن أقرب طريق إلى الله يوم العيد هو طريق القلوب، ومضمار الرحم، ومسارات العطاء، ولو بورقة صغيرة

  1. ما بين خط اليد ونبض القلب

الخط الذي كتبه والدنا في الورقة، لم يكن منمقًا، لم يكن مزخرفًا، لكنه كان خطًا يعرف الطريق إلى القلب، يكتبه رجل عرف معنى الأبوة، وعاش قيمة المسؤولية، وترك أثرًا لم يكن يخطط ليُخلد، لكنه خُلّد لأنه صادق.
كم من الكلمات تُقال ولا تترك أثرًا، وكم من الأوراق تُكتب وتُنسى، لكن هذه الورقة، لأنها خرجت من القلب، ستبقى حية، تُقرأ في المجالس، وتُتلى على الأرواح، وتُورث للأبناء

  1. عظمة التفاصيل الصغيرة

من بين ما في الورقة، نجد دقة التوزيع، وعناية التوثيق، وحرص الوالد على أن لا يُهمل أحدًا. حتى من لم يكن يستطيع زيارته أرسل له.
هذه الأخلاق النبيلة لا تأتي عفوًا، بل هي ثمرة تربية، وسنوات من الإخلاص، وتجربة نادرة في فن “الحب الممنهج”. لقد قدّم لنا والدنا درسًا بأن التفاصيل الصغيرة، مثل 20 جنيهًا، قد تكتب سطرًا خالدًا في كتاب العظمة

  1. استدلال العظماء: قال مالك بن نبي…

كان المفكر الكبير مالك بن نبي يقول: “المجتمع الذي لا يُتقن فن العيد، هو مجتمع فقد إنسانيته.” وقد أتقن والدنا هذا الفن، لا بالموسيقى ولا بالألعاب، بل بإتقان المعنى، وتجسيد الرحمة، وتحويل أيام العيد إلى مساحة من الكرم المادي والمعنوي.
لقد حوّل اليوم المبارك إلى معرضٍ عملي لأخلاق الإسلام، وبيئة لتطبيق حديث النبي ﷺ: “تهادوا تحابوا”، و”من وصل رحمه وصله الله”.

الخاتمة: حين كبّر القلب

ربما نُكبّر اليوم في المساجد، وتعلو أصواتنا بالتكبير، لكن الوالد، رحمه الله، كبّر بقلبه، وخطّ بكفه، ووزّع من محبته ما لا يُقدّر بثمن. ورقته ستبقى معنا، ليست مجرد ذكرى، بل منهجًا، وخارطة حب، وتوثيقًا لعظمة رجل عرف أن العيد يبدأ من باب البيت، ويمتد إلى كل من يستحق دعاء، أو زيارة، أو حتى 20 جنيهًا… فيا الله، ارحم من علمنا كيف نُكبّر بالنية، وكيف نوزع المحبة بخارطة العيد، وكيف نكتب بأيدينا ما لا تمحوه الأيام.

تمّ بعون الله،
وسُطِّرت المشاعر بنبض القلب، واستلهمت الكلمات من ورقة رجل عظيم، خطّ العيد ليكون خُطبة حب ودرس وفاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top