|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي

كان تعليق أحد الأصدقاء على مقالي السابق “ورقة علمتنا العيد “بمثابة عنوان لم يُكتب، بل نطقته القلوب قبل الحروف. كتب بكلمات دافئة: “أزمنة الفضلاء، وأخلاق الرحماء”، فشعرتُ أن العبارة لا تصلح أن تكون ختامًا لمقال، بل بداية لحكاية.
في زمنٍ تتسارع فيه اللحظات، وتبهت فيه المعاني خلف الشاشات، يبقى لبعض الذكريات صوتٌ لا يخفت، وأثرٌ لا يُنسى. ليست الذكرى هنا صورة في ألبوم، ولا مقطعًا في هاتف، بل هي ورقة بخطّ يد أبٍ رحيم، حملت أسماءً، وأرقامًا، وقلوبًا… لكنها في الحقيقة حملت شيئًا أعمق: حياةً كاملة نُسجت من الصدق والرحمة، وانتهت بدرس لا يُدرّس في المدارس
خطُّ يدٍ يُنبض بالحياة
في إحدى زوايا البيت، ورقة قد تبدو بسيطة، ولكنها في ميزان الحبّ أعظم من ألف كتاب. خطّ الوالد رحمه الله فيها قائمة من الأسماء: إخوة، أخوات، أقارب، جيران، وبعضهم كان قد خذله الزمان أو خذلهم الناس… لكنه لم ينسهم. كانت تلك الورقة جدول زيارات يوم العيد، لكنها في الحقيقة كانت جدولَ قلب. ليست الورقة هي المدهشة، بل الذي كتبها. رجلٌ ما كان يُجيد المنمّق من الكلام، لكنه كان يُجيد أن يجعل الحياة منمّقةً بالفعل، ومرتبة بالنية، ومضيئةً بالصِلة.
العيد عند الكبار…ليس زينة بل خُطة
العيد عند جيل الوالد لم يكن مهرجانًا استهلاكيًا، بل يومًا خُطط له بروحانية صامتة. تبدأ الخطة بصلاة الفجر، ثم تُسلم الأقدام أمرها إلى دروب الرحم. بيت بعد بيت، قلب بعد قلب، حتى إذا عاد عند المغرب، عاد جسدًا مرهقًا، وقلبًا مُتخَففًا، وروحًا منتصرة. لم يكن يوزّع نقودًا فقط، بل يوزّع حرارة اللقاء، صدق العناق، عُمق السؤال، وبساطة العيدية التي قد لا تتجاوز العشرين جنيهًا… لكنها تحمل ختم المحبة.
حين أصبح الخط خريطة
ورقة الوالد كانت أشبه بخريطة اجتماعية، فيها أسماء وأرقام ودوائر وعلامات. واحدة عليها نجمة، وأخرى بجانبها سهم، وثالثة كُتب تحتها: “مريضة، لا تُنسى”. هذه ليست مجرد ملاحظات، إنها شيفرات وجدانية لا يفهمها إلا من عرف أن الحياة الحقيقية لا تُقاس بالمتر، بل تُقاس بمدى اقترابك من قلب الآخر، ولو بخط يد بسيط.
دروس الكبار… لا تُقال، بل تُمارس
كثيرٌ من الناس يتحدّثون عن فضل صلة الرحم، وفضل العيد، وفضل الإحسان… لكن والدنا لم يكن بحاجة إلى خطبة. كان يكفي أن تُرى ورقته على الطاولة، ليفهم الأبناء أن هناك شيئًا مقدّسًا اسمه “الوصال”. وكأن لسان حاله يقول: “إن كنتَ لا تستطيع أن تصلهم برجليك، فابعث لهم قلبك، أو من يمثلك، المهم أن تصل.”
20 جنيهًا هزّت جبلًا
قالت شقيقتي الصغيرة، وهي تستذكره بنبرة حبّ لا يشيخ: “حتى حين كانت العيدية بسيطة، كانت تسوى الدنيا وما فيها.” وهذا هو الدرس: أن القيمة ليست فيما نُعطي، بل في كيف نُعطيه، ولمَن، وبأي قلب. إنها ليست 20 جنيهًا، بل رسالة ضمنية تقول: “أنا ما نسيتك، وما غفلت عنك، وما تجاهلتك حتى في أضعف حالاتي.”
الكرم الذي لا يحتاج غنى
كثيرون يعتقدون أن الكرم مرتبط بالقدرة، لكنه، كما علّمنا الوالد، مرتبط بالنية. كان يُعطي القريب ألفًا، ويعطي الآخر عشرين، لكن الدفء كان واحدًا، والحب موزعًا بعدالة القلوب، لا أرقام الدفاتر. هكذا كان جيل الفضلاء: لا ينتظر وفرة ليعطي، بل يصنع العطاء من العدم، ويحوّل القليل إلى كثير بالنية.
المجتمع الذي أتقن فن العيد
قال مالك بن نبي: “المجتمع الذي لا يُتقن فن العيد، هو مجتمع فقد إنسانيته.” وقد أتقن والدنا هذا الفن، كما لو كان من تلاميذ تلك المقولة، وإن لم يسمعها. أتقنه حين اختار من يُوصل العيدية، كما يختار سفيرًا، وأوصى أن لا تُنسى الأرامل، ولا يُهمل المرضى، ولا يُغفل من قاطعوه.
الفعل الباقي أقوى من القول الزائل
كتب أحد أصدقائي تعليقًا على المقال السابق:
“الأمر ليس بكثرة العلم، ولا بنمق الكلمات… ولكن بالفعل، وإن كان بسيطًا.” وهذا هو لبّ المسألة: أن الصدق حين يُمزج بالفعل، يُخلّد، وينتشر، ويُروى بعد الرحيل، بل يُدرَّس كما تُدرّس القيم العظمى.
الكنز الذي تركه لنا
لم يترك الوالد مكتبةً عامرة، ولا منزلًا فخمًا، لكنه ترك كنزًا خلفه جدارًا: ورقة… ورقة بخطّه، تنبض بالمحبة، وتنطق بالرحمة، وتُدرّس كيف يُعاش العيد. وها نحن نكبر اليوم، فنُدرك أن تلك الورقة كانت “الكنز” الذي استخرجناه بعد أن بلغنا الأشد، كما قال صديقي الجميل.
إرث الفضلاء لا يُقاس بالسنين
هكذا ترحل الأجساد، لكن القلوب لا ترحل، تبقى معنا، في ورقة، في نبرة، في موقف…
وهكذا يعيش الفضلاء بيننا، ليس لأننا نتحدث عنهم، بل لأنهم ربّونا بفعلهم، وكتبوا فينا ما لا يُمحى.
الخاتمة: أن تُكتب الأشياء بقلبك
كل ما كُتب هنا، ما كان ليُكتب، لولا أن رجلًا ذات عيدٍ، أمسك قلمًا، وكتب قائمةً، لا ليؤرشف زياراته، بل ليحفظ صلته، وليعلّمنا أن ما يُكتَب بالقلب، لا تمحوه الدنيا. رحم الله من علمنا أن الورقة البسيطة، قد تكون أعظم من مقالة، وأصدق من خطبة، وأبقى من الذاكرة… ورحم الله زمنًا، كان فيه العيد مشروع حبّ، لا مناسبة فرح. وزمنًا، كان فيه الفضلاء يصنعون العيد من ورقة، والرحماء يكتبونه بالحب.