|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
حين صلّت غزة وحدها… وسمعها الكون كله
في اللحظة التي خيّمت فيها العتمة على الدنيا، وأُغلق باب العيد في وجوه المدن، فُتح في غزة. ليس لأنه وقت الفرح، بل لأنه زمن التكبير. في مدينةٍ تُحاصرها النار من الجهات الأربع، وتُحاصرها الحياة من الجهات الأخرى، كانت غزة على موعدٍ ليس مع العيد فحسب، بل مع شهادةٍ أخرى بأن هذا المكان لا يُهزم حتى حين يُقصف.
الركعة الأولى: الأرض تسجد
من تحت أنقاض مدرسة، وبجانب جدار نصفه مائل، وسماءٌ خرساء، وقفوا صفوفًا. وجوه من أعمارٍ متعددة: طفل في حضن أم، شيخ يتكئ على ذاكرة قديمة، شاب في صدره صورة أخيه الشهيد.
لا ميكروفونات. لا سجاد مخملي. فقط الأرض — هي ذاتها — تُفرش من جديد لتُصلي معهم. وكأنها تريد أن تسجد.
الإمام يرفع التكبيرة الأولى.
الله أكبر.
في العادة، تكون هذه الجملة إعلانًا للصلاة. أما في غزة، فهي إعلان انتصار على كل ما أراد لهم أن لا يرفعوا رؤوسهم.
الركعة الثانية: صلاة بلا جدران
لا مسجد إلا ظلّه، ولا مأذنة إلا بقاياها. ومع ذلك، كانت الصلاة أعظم ما بُني. أحدهم صلّى بجوار قبرين، وآخر مدّ سجادته على قماش مساعدات. الأطفال صفّوا أحذيتهم إلى جوار كومة تراب كانت بالأمس زقاقًا. وكلما انحنت الجباه، انحنت السماء معهم، وسمعت الأرض النداء: “ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا…” كأن الركعة ليست سجودًا فقط، بل شهادة هوية، وبطاقة وجود، وبيان ولادة جديد.
بعد التسليم: العيد يتيم ولكن
حين انتهت الصلاة، لم يرتفع صوت الضحك. بل ارتفعت التكبيرات أكثر، لأن الفرح لم يجد بعد ملامحه، لكنه حاول. الأمهات وزعن الحلوى على صغار ليس فيهم أحد “بكامل عائلته”. الأطفال حملوا بالوناتٍ على أشلاء أرجوحة. رجال التصوير التقطوا صورًا وسط الردم، كأنهم يوثقون ملحمة، لا لحظة. غزة لم تحتفل بالعيد كما تفعل المدن، بل علّمته كيف يولد وسط الدخان، ويبتسم تحت جفن الحزن.
التكبيرة التي هزّت الجدار
في لحظةٍ من اللحظات، ارتفعت التكبيرات فجأةً، كأنها خرجت من كل ما بقي حيًا، لا من الحناجر وحدها.
كانت التكبيرة عاليةً، حادةً، دامعةً. كأنها تقول للكون كله: نحن هنا. لا لأننا استطعنا، بل لأننا أبينا أن لا نكون. الجنود خلف الحواجز سمعوها. المراصد التكنولوجية رصدتها. السحب توقفت قليلاً فوق غزة لتسمع. هذه ليست تكبيرة عيد.إنها تكبيرة شعب يقف فوق جرحه، ويصلي.
غزة لا تحتاج خطيبًا للعيد…
لأن خطبتها تُلقى من شرفات البيوت المهدّمة، وتُقال بعيون الأمهات التي فقدت، وما زالت تُعطي، وتُكتب بأصابع الصغار على جدران لا جدران فيها. وإذا كان العيد في كل مكان زينةً ولباسًا وموائد، فهو في غزة سجادة من تراب، وكعكة من مقاومة، وتكبيرةٌ تهزّ الحصار.
الخاتمة: ماذا تحتاج غزة في العيد؟
غزة لا تحتاج منا رسائل العيد المُعلبة، ولا صور الورد المكرورة…
هي تحتاج أن نُعيد التفكير في معنى “الفرح”، أن نعيد تعريف “العيد” نفسه.
تهنئة غزة أن نكون معها لا عنها، أن نُمسك بيدها لا نُربّت على كتفها.
أن نحمل عنها العبء، لا أن نصفق لصبرها.
وأن تكون تكبيراتنا التالية، لا دعمًا عابرًا، بل عهدًا باقٍ… أن لا نتركها وحدها مرةً أخرى.