يا عمو، أنا حفظتك أكتر من نفسي

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

محمد تهامي

في مساءٍ دافئ من تلك الأمسيات التي يتداخل فيها الحنين بالحوار، والسكينة بالذكريات، همست صديقة عزيزة، في خضم حديثها عن أجدادها، بكلمةٍ خطفت روحي قبل أذني: “يا عمو، أنا حفظتك أكتر من نفسي”

جملة بسيطة، عفوية، لم تكن تعلم أنها أطلقت بها مقالًا كاملًا، وربما قصيدة عمر… لكنها قالتها بصدق جعلها ترتجّ في الذاكرة كما ترجف ورقة شجرة حين تلمسها ريح الحب.
توقّفت عند عبارتها طويلًا. تأملتها كما يتأمل المرء لوحة قديمة يعرفها لكنه لم يرها بهذه الزاوية من قبل. وسألت نفسي: هل يمكن لطفلٍ صغير، أن يحفظ وجه جده، أو جدته، أو “عمه الكبير”، أكثر من ملامح نفسه؟
الإجابة: نعم، بل وأكثر من ذلك. أحيانًا، نُبنى نحن من ذاكرتهم.

الوجه الذي سبق المرآة

الطفل لا يرى نفسه كثيرًا. لا يجلس أمام المرآة كما يفعل الكبار. هو لا يعرف أين تكمن ملامحه بدقة. لكنه يرى وجهًا آخر، يتكرّر أمامه كل يوم: الجد الذي يُطعمه، الجدة التي تغني له، العمة التي تمشّط شعره، أو الخال الذي يحمله على كتفه. هؤلاء هم أوّل الوجوه التي حفرتها الذاكرة، وأول الصور التي التصقت بروحه، قبل أن يعرف ما معنى “أنا”. لذا حين تقول الطفلة “أنا حفظتك أكتر من نفسي”، فهي تعني تمامًا ما تقوله:
أنا عرفت الدنيا من خلالك، وأحببتها بفضل وجودك، فصرتَ أول تعاريفي، وأول تجاربي، وأقرب مرآة لذاتي.

حضن الذاكرة لا يُنسى

هناك نوع من الذاكرة لا يحتاج إلى تدريب ولا مراجعة: ذاكرة العاطفة.
التي تحفظ الصوت، والملمس، والرائحة، والنبرة، والحكاية. ذاكرتنا تحفظ الجد حين يقول: “تعال جنبي”، أو الجدة حين تهمس: “كل، ده معمول ليك”، وتظل تلك العبارات تلمع في القلب، حتى بعد أن تغيب الأصوات، ويتوقف النداء، لكن الدفء يبقى حيًا لا يموت.

لأنك كنتَ أكثر من جد

في تلك العبارة البسيطة، “يا عمو، أنا حفظتك أكتر من نفسي”، لا أسمع مجرد كلمة حب. أسمع اعترافًا كبيرًا بأنّ هذا الإنسان لم يكن مجرد فرد في العائلة. كان وطنًا صغيرًا. كان مدرسة شعورية تمشي على قدمين. كان النخلة التي جلسنا في ظلها، فأحببنا الطقس كله من أجلها.

الوشوش التي لا تغيب

بعض الوجوه، حين نغلق أعيننا، نراها أوضح. وبعض الأصوات، حين تسكت، تظل تتحدث فينا.
وبعض الذكريات، حين نحاول نسيانها، تزداد حضورًا.
لماذا؟
لأنها لم تكن لحظات عابرة، بل كانت نواة تشكُّلنا النفسي. كأن الذي أحببناه في الجد، سكننا. والذي عشناه في حضن الجدة، صار جزءًا من تكويننا العاطفي.

كيف نحفظهم أكثر من أنفسنا؟

لأنهم حفظونا أولًا.
حفظونا ونحن لا نحفظ أسماءنا.
نادونا ونحن لا نعرف كيف نرد.
ضحكوا لضحكنا، فرحوا لأقل تفاصيلنا، وكانت عيونهم مرآتنا الأولى. فحين نكبر، وننظر في مرآة الحياة، نكتشف أننا لا نبحث عن شكلنا فقط، بل عنهم… عن ذلك الوجه الذي أطفأ خوفنا، والصوت الذي هدّأ بكاءنا، واليد التي دلّتنا أول مرة على الطريق.

ليست مبالغة… بل حقيقة قلب

حين تقول الصغيرة “أنا حفظتك أكتر من نفسي”، فهي لا تبالغ. إنها تقول: “أنا كنت أنظر إليك أكثر مما كنت أنظر إلي.” إنها تعني أن ملامح الجدّ كانت أول كتاب تقرأه، وأول طمأنينة تتشكل منها، وأول تعريف للحبّ والحنان.

حين يصبح الجدّ هو النشيد الأول

هناك أغانٍ لا نغنيها… لكنها تظل تسكننا. وهناك وجوه لا ننسخها في الصور، لأنها منقوشة فينا. والجدّ، حين يكون حنونًا حاضرًا، يتحوّل إلى “نشيد داخلي” نردّده كلما ضاقت الحياة.

آخر الحكاية: من حفظك لا يُنسى

يا من قيلت له تلك الجملة الجميلة، اعلم أنك لم تكن فقط “عمو”.
كنت أول معلم، وأول حضن، وأول طريق. ويا من قلتِها ببراءة، دون أن تدري أنها مقال: لقد نطقتِ بحكمة لا تقال في كتب التربية، بل تُروى في قصص القلوب.

ختامًا

في الحياة، هناك من نحبهم كثيرًا.
لكن هناك من صنعوا فينا الحب.
فصاروا أوضح من صورنا، وأقرب من وجوهنا، وأبقى من أعمارنا. هؤلاء… هم من حفظناهم أكثر من أنفسنا.
رحم الله من رحل منهم، وحفظ الله من بقي. ولتبقَ تلك العبارة–القصيدة–الاعتراف، شاهدة على جيلٍ علّمنا الحب قبل أن نعرف كيف نلفظه: “يا عمو، أنا حفظتك أكتر من نفسي.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top