|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي

حين يصبح الطعام لغة، والكرم مذهبًا، والمحبة هي المائدة نفسها.
في ظهيرة هادئة من يوم الإثنين، التاسع من يونيو 2025، الرابع من ذي الحجة 1446، وبين أروقة “حولي” في الكويت، كُتب فصل من كتاب لا يُباع في المكتبات، بل يُحفظ في ذاكرة القلب: فصل عنوانه “الكرم”، وبطلهما: إبراهيم قابيل وأم رنا.
كانت الدعوة قد بدأت همسًا رمضانيًا، دعوة صادقة من بيت دافئ، أُجّلت في حينها من باب الحرص لا الإعراض، فالأيام كانت ضيقة والمقام كان أعظم من أن يُختزل في عجالة شهر كريم. لكنها لم تُنسَ، بل ظلت تتردد كدعاء مؤجل، حتى جاء أوانه كقدر جميل لا يُرد. ومنذ أسبوعين، كانت المتابعة الخفيفة اللطيفة، بين الحين والآخر، دون إلحاح، لكن بتلك الطريقة التي يعرف بها العقلاء أن الكرم الصامت أبلغ من الدعوة المعلنة. وقبيل الموعد بدقيقة، هاتفٌ يرنّ لا ليسأل: “أين أنت؟” بل ليقول: “نحن في انتظارك، كل شيء على خير ما يُرام”.
وصدق القائل“ما يُقدَّم بدفء القلب، لا يبرد أبدًا، ولو أُكل بعد حين.”
دخلتُ الشقة وأنا لا أحمل شيئًا إلا امتناني. لكن ما استقبلني هناك، لم يكن مجرد مائدة، بل مشهد حياة. شيء يُشبه الطقوس لا المأكولات. شيء يُشبه مصر حين تُعدّ طعامها بذاكرة الجدّات لا بوصايا كتب الطبخ. على طاولة مدهشة في بساطتها، كانت الملوحة حاضرة… بحرية مصنّعة بدقة، فسيخ نقيّ منقّى كما لو أن يدًا رُبّانية قد غسلته، وزيت زيتون يُنير لونه قبل طعمه. أطباق تونة، ورنجة مهروسة، وسلطة فلفل منظفة كما تُنظّف الروح من تعب الأيام. ثم، في صحن آخر، رنجة مقطّعة بدون إضافات، كأنها تقول: “أنا الأصل”. وبجانبها بطاطس مقلية، ليست كأي بطاطس، بل كأنها خرجت من قلب أمّ ظلت واقفة على قدمها لا لتُشبع، بل لتُرضي. وكما قال الحسن البصرى:“في الكرم، لا تسأل عمّا طُبخ، بل من طبخه، وبأي نية.”
خبزٌ مصري طازج، كأنه تنفّس لتوّه، وخيارٌ مفروم، وبصل أبيض، وليمون وفلفل أحمر حار… كانت الألوان تُغني، والروائح تُسبّح. كل شيء على المائدة لم يكن مجرد صنف، بل لغة.
ولأن كل ضيافة كريمة تحتاج إلى ختام يليق، جاء الشوط الثاني:
بطيخ بلون الفجر، فاكهة موز وبرقوق وتفاح، وشايٌ أُعدّ ببالٍ رائق، ومشروبات باردة تُرضي أطراف النهار. ثم المانجو، ذلك المانجو الطبيعي، كثيف النكهة، كأن في كل رشفة منه “شكرًا” لا تُقال.
لكن ما أدهشني ليس المائدة فحسب، بل ما بعدها: سلة مجهّزة بعناية، من ذات الأطباق، ليرافقك الطعام في طريق عودتك. لا كتذكار، بل كامتدادٍ للكرم. كأن الضيافة هنا لا تنتهي عند الباب، بل تبدأ منه، مصداقًا لقول الشافعي: “إذا خرج الضيف ومعه رزق، فاعلم أن صاحب الدار من أهل السخاء، لا الاستعراض.” وفي الزاوية، كان هناك أصحابٌ طيبون. جيران، أصدقاء، وجوه تعرف كيف تضحك بلا تكلّف، وكيف تحاور بلا منابر، وكيف تصنع دفءً لا تصطنعه. في هذه البساطة كان مجد. كان واضحًا أن هذا البيت ليس غنيًا بالأثاث، بل بالنية، بالحبّ، بالعلاقات التي تُبنى على الاحترام لا المنفعة، وصدق علي عزت بيغوفيتش حين قال: “ليست الضيافة أن تفتح الباب، بل أن تفتح القلب قبل الباب.”
في بيت إبراهيم قابيل وأم رنا، لا تُشعر بأنك مدعو، بل بأنك منتَظَر. وهذا هو الفرق بين الدعوة والاحتفاء. وقد فهمت، في تلك الساعات القليلة، أن المائدة ليست فقط طعامًا، بل ثقافة. ثقافة لا تُدرس في الجامعات، بل تُورّثها الأمهات، وتُكرّسها البيوت التي ما زالت تزرع القيم في الصحون قبل أن تملأها، كما ذكر ابن خلدون: “بعض الموائد تُشبه أخلاق الأنبياء: لا ترد أحدًا، ولا تُميز بين ضيف وضيف.
خرجتُ من البيت، والسلة في يدي، لكن الذي ظل في قلبي أعظم بكثير:
• بقايا دفء
• عبير نوايا صافية
• حكاية لن أنساها
• وأمل في أن يكون في كل حيّ، بيت يشبه هذا البيت. وإن كان لابد من خاتمة، فدعني أقول: ليست كل الموائد تستحق أن تُكتب، لكن بعض الموائد، تُكتب عنها القصائد.
ومائدة اليوم، كانت قصيدة من كرم، نظمها قلبان يعرفان أن أجمل ما يُقدّم في الحياة، ليس الطعام… بل المحبة في طبق.