|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي

“ذاك من لم ينسني…”
في زمنٍ تتسارع فيه الأيام وتزدحم الحياة، يمرّ بعض الناس مرور الظل، ويُقيم آخرون في الذاكرة كما تقيم الروح في الجسد… وهناك من يكتب بفعله ما تعجز الأقلام عن رسمه، ويجعل من النية طريقًا، ومن البرّ مقامًا، ومن الوفاء رسالةً تُتلى إلى آخر العُمر.
هذا المقال… ليس عن رحلةٍ إلى بيت الله الحرام فقط، بل عن قلبٍ حمل أمَّه إليه. عن أبي بركات السيد بركات… الذي حجّ، فحجّت معه أرواحنا، وبكى، فبكت معه ذاكرة البرّ الخالد.
حين عاد… ابتسمت الأرض
لقد طابت دوحة الخير بعودته، ونوّرت الوجوه برؤيته، وكأن في ملامحه أثرًا من عرفات، ونسمة من منى، وطُهرًا من زمزم… ما أجمل تلك الرحلة التي لا يُشبهها سفر، ولا يُقارن بها مقام، رحلة الروح إلى حيث الطهارة والسكينة والانكسار على أعتاب الرحمة. تخالجنا المشاعر، وتختلط الكلمات… بين فرحٍ بعودته، وشوقٍ لسماع حديثه عن تلك اللحظات العظيمة، حين اختلطت الدموع بالتكبير، والرجاء بالدعاء، والقلوب ببياض الإحرام.
لم يكن وحده… كانت أمه في قلبه
عاد… لكنه ما قصد نفسه، بل قصد من كانت أمًّا، ومأوى، ودعاءً لا يُنسى.
سافر إلى البيت الحرام يحمل قلبها، ويُسميها عند كل مشعر… عند الطواف، عند السعي، عند المبيت، عند الرجاء… كان يُمثّلها، يمشي حيث كانت تتمنى، يبكي عنها، ويدعو لها، ويُهديها من نور تلك المواقف ما لا يُقاس بثمن ولا يُكتب بحبر.
لو كانت تراه…
أيا أبا بركات… لو كانت تراك، لابتسمت كأنها لم تمت… وإن كانت تُحدّثك، لقالت: “ما وفيتني في حياتي كما وفيتني في موتي…” يا من جعل حجّته رسالة برّ، ودعوته رسالة وفاء، ومشاعره منزلًا للحنان… لكأننا نراها – في رحمة الله – تُطلّ عليك من مقام صدق، تقول بفخر: “ذاك ابني… ذاك من لم ينسني، ذاك من زارني بالحج، وضمّ اسمي في دعائه، وبلغني عرفات وأنا في دار القرار…”
حجّ عن أمه… فكتب الله له البرّ مرتين
تأمل أي قلب حملت، وأي دعاء رفعت، وأي أثر ستلقاه حين تُكتب لك الحجة عنها: “حجّ عن والدته فكتب الله له أجر البرّ مرتين…”
مرة لأنه دعا، ومرة لأنها رضيت. لقد عدتَ، أخي الحبيب، لكنك أرسلت إلى السماء رسالةً لا تنقطع…
رسالة تقول: البرّ لا يموت، والأم لا تُنسى، والحبّ حين يكون صادقًا، يعبُر من الأرض إلى أبواب الجنان.
اللهم ارفعها وارضَ عنه
نسأل الله أن يرفعها في عليين، وأن يجعل دعاءك لها سكينةً في قبرها، ونورًا في وحدتها، وبشارةً بلقاءٍ قريب حيث لا وداع بعده. لقد عدت، ولك في أعيننا وقارٌ ما بعده وقار،وفي قلوبنا دعاء لا يخبو: “اللهم اجزه عن أمه خير ما جازيت بارًا عن والدته، واكتب له في كل خطوةٍ غفرانًا، وفي كل دمعةٍ قبولًا، وفي كل دعاءٍ نورًا لا ينطفئ.”
ولأن البرّ لا يُورَث إلا عن الكبار…
لك في قلوبنا محبة لا تغيّبها المسافات، ولا تغيّرها الأيام…
نحبك يا أبا بركات، ونحب تلك الدار التي أنبتتك، ونجلّ أم بركات الغالية، سيدة الحنان والصبر، التي ورثت عنها طيب المعشر، وجميل الأثر…
ونكبر أبناءك الذين يسيرون على خُطى رجلٍ عرف معنى البرّ، وكتب في الودّ سطورًا خالدة.
دعوة لا تُرد
نسأل الله أن يبدّل ما قدّمته من دعاء وبرٍّ في صحائف أعمالك نورًا لا ينطفئ، وأن يُنثر خيرك في حياتك بسكينة المودّة، وأن يُبارك في عمرك وذريتك، ويجعلك ممن تقرّ بهم عين والدته في أعلى الجنان،ويقال له يوم العرض: “هذا مما زرع، فأنبت برًّا ورضوانًا ورحمة…”
إلى أبي بركات… الذي لا يُنسى
دمتَ لنا أخًا حبيبًا، ووجهًا من وجوه الوفاء لا يُنسى. دمتَ كما أنت… ابنًا لا يُنسى، وأخًا نفخر به، وسندًا يكتب الله به الأثر الطيب إلى يوم الدين.
وطبتم… وطابت خطاكم… وطابت دعواتكم، وطاب وفاؤكم.
جزاكم الله خير الجزاء استاذنا الفاضل لا يفهم معنى الوفاء الا من هم تخلقوا بالوفاء والبر وحسن الخلق وعاشوا عليه وعلموه لنا دمت استاذناً الفاضل هادياً ومعلماً