لولوة الخاطر… حين تتجسد المرأة في قلب المجتمع

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

ليست المرأة نصف المجتمع وحسب، بل هي مرآته الصافية، فإن صفَت صفا، وإن عكرت عكر. وفي زحام الصور اللامعة التي تصنعها الأضواء، قلَّ أن نجد امرأة لا تلهيها الزخارف عن الجوهر، ولا تستدرجها المناصب بعيدًا عن النبع الأول للقيم. لولوة الخاطر، في هدوئها الموزون ووعيها اليقظ، تمثل هذا النوع النادر. ليست مجرد وزيرة حملت ملفات التنمية والتعليم بدولة قطر الشقيقة، بل شاهدة على أن القيادة الحقيقية تُقاس بمدى احتضانها لنبض الناس، والتقاطها لتلك اللحظات التي تكشف معدن الروح، لا بكمّ المؤتمرات والخطب. ثلاث لحظات فقط كفيلة بأن تضعها في سجلّ النساء اللواتي لم يجاملن الحقيقة، ولم يتواطأن مع زيف المعايير.

المشهد الأول: في رحاب المسجد النبوي

هناك، بين أعمدة النور وسكينة المكان، التقت بامرأتين. ظنت لبرهة أنهما في حاجة، وربما في عوز تنتظران أن يسدّه عابر سبيل. لكنها فوجئت بسؤال يوقظ القلب قبل العقل: هل تحفظين القرآن؟ حين جاء الجواب بالنفي، ارتسم على ملامحهما استغراب لا يشبه اللوم، بل يفيض بالشفقة العميقة. ثم جاءت العبارة التي ستظل تدق في القلب ما دقّ الدم في العروق: “من المساكين. هنا تغيّر تعريف الفقر. لم يعد الفقير من لا يملك المال، بل من لا يملك زاد القرآن. في لحظة خاطفة، انكسرت الموازين المصطنعة، وتبدّلت مقاييس الغنى والفقر، فحملت لولوة هذه الكلمة معها كجرس تنبيه كلما ابتعدت الخطى عن النبع.

المشهد الثاني: هبة… الفتاة التي جاءت من الرماد

في منتصف رمضان، دخلت هبة، فتاة سودانية في الصف الأول الثانوي، ملامحها تحمل أثر الحرب والتهجير، لكنها تمشي بثبات من يعرف إلى أين يمضي. كانت قد قضت سنتين خارج المدارس بعد أن نجت وأسرتها من الموت بأعجوبة. أمها – وهي التي عرفت أن الروح قد تتيه بلا زاد – دفعتها للالتحاق بدروس القرآن عن بعد، من المدينة المنورة وتركيا. كان ذلك أول باب فتحته هبة نحو حياة جديدة. وقفت أمام لولوة لا تطلب مالًا ولا شفقة، بل قالت بلسان الواثق: “أرجوكم اهتموا بالقرآن الكريم في المناهج”. مرة أخرى، أحست لولوة بأنها من “المساكين”، لأن القرب من القرآن ليس رتبةً يهبها المنصب، بل عطية يمنحها الله لمن اختار.

المشهد الثالث: أنس… الموعد الذي لم يأتِ

ثم جاء الرحيل المفاجئ لأنس. كتبت لولوة تغريدة موجزة، لكنها مشحونة بما يكفي ليبقى أثرها زمنًا طويلًا:
“لماذا يا أنس لماذا ؟ لماذا هذا الرحيل؟ لقد كان موعدنا  في غزة أوفي  الدوحة كما اتفقنا على ذلك مرارًا” ” في كلمات قليلة، انطوت الحكاية كلها: الفقد الذي لا يستأذن، الأمل الذي يظل معلقًا في السماء، والحب الذي لا تحجبه المسافات ولا يقطعه الموت.

امرأة تصوغ المعايير من جديد

لولوة الخاطر، في هذه المشاهد الثلاثة، تذكّرنا أن دور المرأة في المجتمع لا يُقاس بعدد المشاريع ولا بحجم التصريحات، بل بقدرتها على أن تظل قريبة من قلب الحياة. أن ترى الغنى في الحفظ، والفقر في الغفلة، والقوة في التواضع، والقيادة في الإنصات قبل الكلام. لقد قال مالك بن نبي: “المجتمع الصالح هو الذي تهيمن عليه فكرة أخلاقية”. هذه المرأة تدرك أن تلك الفكرة لا تعيش إلا إذا حملتها الأرواح الصادقة، وغرستها الأيدي التي لا تلهث وراء المديح. وقال أحمد شوقي: “الأم مدرسة إذا أعددتها … أعددت شعبًا طيب الأعراق”.
والأم هنا ليست فقط التي تنجب، بل التي تنجب وعيًا، وتربي القيم، وتستثير ضمير الأمة.

رسالة بلا مجاملة

لولوة الخاطر لم تُجمّل الواقع بكلمات منمقة، بل وضعته في مرآة القرآن والإنسانية. من الحرم النبوي حيث نسوة من أطراف الأرض، إلى هبة الناجية من لهيب الحرب في السودان، إلى أنس الذي حملت ذكراه نسمات غزة، نسجت خيطًا واحدًا يربط قارتين وثلاث أقطار، لا نسب بينها ولا حسب، وإنما رباط الإسلام الذي يتجاوز الألوان واللغات والحدود. لقد جمعتهم كلمة الله قبل أن تجمعهم الجغرافيا، وألّف بين قلوبهم حب القرآن الذي لا تفرقه المسافات، ولا تضعفه المحن. وهكذا، من قلب المساجد، ومن مقاعد الدراسة، ومن ذكريات الغياب، تتأكد الحقيقة: أن المجتمع الذي يفقد صلته بالقرآن هو مجتمع “من المساكين” مهما تكدست فيه الثروات، وأن المرأة التي تذكّرنا بهذا تحفظ للوعي العربي والإسلامي جذوره، وتمنحه القدرة على أن ينهض من جديد.

ميراث الروح

حين يُكتب تاريخ هذه الحقبة، ستظل أسماء كثيرة معلقة في عناوين الأخبار، لكنها ستذبل مع الزمن، إلا أسماء النساء اللواتي حملن في قلوبهن معايير لا تصدأ: أن الفقر الحقيقي هو البعد عن القرآن، وأن الغنى الحق هو الامتلاء به، وأن القيادة ليست في رفع الصوت، بل في عمق الرؤية. لولوة الخاطر واحدة من هؤلاء، لأنها فهمت أن المرأة حين تكون صافية النية، دقيقة البصيرة، نقية اليد، فإنها لا تعكس المجتمع وحسب، بل تصنعه على صورتها… صورة لا يبهتها الزمن، ولا تغريها المجاملات، ولا تغيّرها الأضواء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top