هل نحن من نعيش الزمن أم هو من يعيش فينا؟

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

لا شيء في هذا الكون يحدث اعتباطًا. كل تفصيلةٍ تحمل في طياتها رسالةً خفية، وكل حدثٍ ينسج خيوطًا غير مرئية تصل بين الأمس والغد، بين الغياب والحضور، بين الموت والحياة. أن تفارق أم الحياة بعد أربعة عشر عامًا من رحيلها الأول، وفي اللحظة ذاتها التي يستقبل فيها حفيدها بدايةً جديدة في أقاصي إفريقيا، ليس مجرد تزامن رقمي. إنه وميض كوني يفتح في القلب نافذة على سؤالٍ أزلي: هل هذه مصادفات بريئة؟
أم أن الزمن ليس كما نتصوره؟

في فلسفة الوجود، الزمن لم يكن يومًا مفهومًا بسيطًا. أفلاطون رآه صورة متحركة للأبدية. هايدغر اعتبره جوهر الوجود ذاته.ثم جاء آينشتاين ليكسر وهم الخط المستقيم، مؤكدًا أن الزمن ليس مطلقًا، بل يتداخل ويتباطأ ويلتفّ حول نفسه بطرقٍ لا ندركها. في ضوء هذا، كيف نقرأ لحظةً يتباعد فيها المكان آلاف الكيلومترات، لكن الأرواح تلتقي على خيطٍ خفي؟ هل يمكن أن يكون الرحيل في الشرق والولادة في الجنوب وجهين لحقيقة واحدة؟

حين تسير قوانين الطبيعة وفق نمطٍ يتحدى المنطق الظاهري، ينهض السؤال الجوهري: هل نحن من نعيش الزمن، أم هو من يعيش فينا؟
حين تغيب الأم عن الدنيا في اللحظة ذاتها التي يُفتح فيها باب جديد في حياة حفيدها، نشهد دورة خفية من التحول. كأن الأقدار تنقل الشعلة بين الأجيال بلا انقطاع، وكأن الزمن نفسه ليس خطًا مستقيمًا، بل نهرٌ يلتفّ حول الحياة، يعيد تشكيلها في صورٍ جديدة.

في ثقافاتٍ كثيرة، لا سيما الإفريقية وأمريكا اللاتينية، يعتقد الناس أن الأجداد لا يرحلون، إنهم يتحولون إلى حضورٍ غير مرئي، يبارك مسيرة الأحفاد ويستمر في التأثير بطرقٍ لا تُرى. هذه الفكرة الروحية تجد صداها في بعض نظريات الفيزياء الحديثة، التي تقول إن كل حدثٍ يترك بصمةً في نسيج الكون، كما يترك الموج أثره في البحر.إنها صورة لعالمٍ لا يُقاس بالثواني والدقائق، بل بما يتركه الحب من أصداء في مسار الزمن.

وهنا يطل السؤال الأعمق:إذا كان الزمن ليس قاطعًا كما نتصوره، وإذا كانت الأحداث تتشابك بطريقةٍ لا ندركها، فماذا يعني ذلك لنا؟ هل الحب الذي تركته الأم في قلوب أبنائها كان كافيًا ليعيد تشكيل الزمن، ويترك أثره حتى لحظة الرحيل؟
هل كل فعلٍ نقوم به، مهما بدا بسيطًا، يمتد في الكون كما تمتد الدائرة على سطح الماء؟وهل يمكن لأثرنا أن يسبقنا إلى المستقبل ويظل حيًّا بعد أن نغيب؟

ليس كل حدثٍ يخضع للتفسير العلمي، فهناك ما يُحسّ في القلب قبل أن يُفهم بالعقل. ما حدث هنا ليس مجرد مصادفة، بل رسالة عن استمرارية الأثر: عن كيف تبقى المحبة رغم تغير الأشكال،وكيف يمكن لرحيلٍ أن يكون ولادةً بلغةٍ أخرى. في هذه اللحظات ندرك أن الحياة ليست فوضى،بل حبكة مذهلة تتقاطع فيها النهايات مع البدايات، ويتداخل فيها الماضي بالحاضر،في قصةٍ لا تزال تُكتب بمدادٍ لا ينفد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top