نوبل للإنسانية… ملحمة القلوب العظمى

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في صباح خريفي باكر، كانت الشمس تتسلل بخجل من خلف ناطحات السحاب في مدينة أوروبية، والهواء يحمل رائحة الرطوبة والأمل في آن واحد. في قاعة ضخمة بمقر الأمم المتحدة، كانت الجماهير تنتظر لحظة الإعلان عن جائزة لم تُمنح من قبل: نوبل للإنسانية “نُبِل”. لم يكن الأمر عن سياسي أو عالم، بل عن أرواح عظيمة لم تبحث عن الأضواء، لكنها صنعت الحياة حيث يسكن اليأس.

في قرية نائية على أطراف الصحراء، وقف بلال أمام بئر جاف، يلمس بيديه نبض الأرض وكأنه قلب يتألم. منذ عشر سنوات، ترك مكتبه المكيف في العاصمة، وسافر بين القرى المنكوبة، يحفر الأرض ويزرع الأمل في قلوب الأطفال الذين لم يعرفوا ماءً نظيفًا من قبل. كل يوم كان يقيس نبض البشر أكثر من نبض الأجهزة، ويردد في سره قول عمر بن الخطاب: “لو أن بغلة تعثرت في العراق لسألني الله عنها… فكم بالحري أطفال يظمأون ويحتاجون الماء؟”، ولم يكن ينتظر أي تكريم، بل اكتفى بكوب الماء الذي يصل إلى يد طفل لأول مرة. وعلى بعد آلاف الأميال، كان مدحت يدير مؤسسة خيرية رائدة، فريقه المتميز لم يكتفِ بتوزيع المساعدات، بل حول كل قرية إلى مركز إنتاج وحياة. أنشأوا مدارس لتعليم النساء الخياطة والحرف اليدوية، مزرعة تنتج الغذاء للأطفال، ومركز تدريب للشباب على الحرف التقليدية. كل مشروع كان شعاع أمل، وكل ابتسامة شهادة على أن الخير ممكن. كان مدحت يقول دائمًا: “كما قال غاندي، الطريقة الأفضل لتجد نفسك هي أن تخدم الآخرين.”، وما بين الخطط والتحديات، ظل الفريق يزرع الحب في القلوب قبل أي محصول.

وفي غزة، المدينة التي تحمل جبال الألم على أكتافها، كان الأطفال يذهبون إلى مدارسهم بين الركام، والنساء يخبزن الخبز في بيوت نصفها سماء، والأطباء يعملون على ضوء الهاتف حين تنقطع الكهرباء. الصمود هنا ليس خيارًا، بل واجب. كما قال نيلسون مانديلا: “الشجاعة ليست غياب الخوف، بل الانتصار عليه.”، وهذا المجتمع الصغير صنع من الألم مدرسة، ومن الخوف درسًا للكرامة، ومن الجراح لوحة أمل على الجدران المدمرة.

قبل الإعلان، اجتمعت لجنة الجائزة لمراجعة الترشيحات: رجل فذ، مؤسسة رائدة، مجتمع صامد. لم يكن القرار سهلاً، فالخيارات كثيرة، لكنهم شعروا أن هؤلاء يستحقون أن تُمنح لهم الجائزة ليس لخططهم، بل لفعل الخير الذي امتد ليشمل آلاف الأرواح.

وفي 15 نوفمبر، ارتفعت الأضواء على المسرح. وقف الفائزون الثلاثة أمام العالم: بلال ، مدحت، وممثل غزة. صمت الجميع، بينما تتبع الكاميرات كل حركة، ليس لتسليط الضوء الإعلامي، بل لتسجيل لحظة عرفان للعطاء. تم تسليم درع “نُبِل” المصنوع من البرونز الرمزي، وأُعلن عن مبلغ مالي لدعم مشاريع الفائزين، وأُنتج فيلم وثائقي عالمي يروي رحلتهم، ودُعوا لحضور مراسم تكريم رسمي في مقر الأمم المتحدة، كما أُدرجوا ضمن متحف الأرواح النبيلة الرقمي، لتبقى قصصهم حية للأجيال القادمة.

في تلك اللحظة، شعر بلال بيد الطفل الذي شرب من البئر لأول مرة، وشعر مدحت بابتسامة المرأة التي تعلمت الخياطة، وشعر ممثل غزة بالأرض التي صمدت رغم الحصار. ارتفع صوت القصيدة المضمرة:

“ليسوا نجومًا… بل قناديل
ليسوا مشاهير… بل مآثر
لا يملكون شهرة… لكنهم يملكون جبين الأرض حين يسجد،
ودمعة الطفل حين يُشفى…
أولئك، هم أهل “نُبِل” الحقيقيون.”

تدفق المشهد كما لو أن الزمن توقف، فالعالم كله شاهد أن الإنسانية ليست شعارات، بل أفعال تغير مصير البشر. قال ألبرت شفايتزر: “أحيانًا يكون مصير العالم متوقفًا على فعل صغير من اللطف.”، وهؤلاء الثلاثة أعطوا العالم دروسًا يومية في الرحمة، وأثبتوا أن التاريخ لا يُكتب بالسياسة فقط، بل بما تمنحه للآخرين بلا مقابل. الجائزة لم تكن مجرد وسام، بل سجدة عرفان على جبهة العطاء. وبهذا، أصبحت نوبل للإنسانية معيارًا عالميًا جديدًا للبطولة: ليس بالمنصب أو المال، بل بالقدرة على العطاء بلا انتظار مقابل.

في القاعة، وقف الأطفال والشباب والمتطوعون، وعيونهم تتلألأ بالدهشة والفخر. شعر الجميع بأن الإنسانية، إذا تم تقديرها، تستطيع أن تغيّر العالم. وأن نوبل للإنسانية ليست مجرد تكريم، بل تجربة حسية ووجدانية تُلهم كل جيل لاحق. وفي مشهد ختامي، ارتفعت الأعلام، وتصاعدت الألحان، بينما العالم كله يراقب، ليس ليحتفل، بل ليؤمن أن العطاء الحقيقي أقوى من كل قوة. وعندما أغلق الستار، بقي أثر تلك الأرواح في كل قلب، كأنها شمعة مضيئة لن تنطفئ أبدًا، تحمل رسالة واضحة: العظمة ليست بما نأخذ، بل بما نهدي بلا انتظار مقابل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top