|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

في عالم يتسابق على تتويج من يبرع في العلم أو يبدع في الأدب أو ينجح في السياسة، تبقى هناك قلوب تصنع الحياة بيد، وتمسح دموع العالم باليد الأخرى، دون أن تُستدعى إلى المنصات. التاريخ يعرفهم، لكن الجوائز تتأخر عنهم، لأنهم لم يسعوا إلى الأضواء، بل سعوا إلى المعنى. إن “نوبل للإنسانية” ليست فكرة عابرة، بل ضرورة مُلحة، فهي الجائزة التي تعترف أن إنقاذ روح، أو حماية مجتمع، أو إعادة الأمل إلى قلوب من فقدوه، لا يقل قيمة عن أعظم اختراع أو أرقى نص أدبي. فالعظمة الحقيقية ليست في أن تكون أعلى من الآخرين، بل في أن تساعدهم على أن يكونوا أفضل مما هم عليه. وهذه الجائزة هي الامتداد العملي لهذا المبدأ. حين نتأمل التاريخ الإنساني، نجد رجالًا ونساءً وقفوا في وجه المستحيل. رجل فذ ترك حياته المريحة، واختار أن يسير إلى قلب الكارثة، لا بصفته منقذًا خارقًا، بل إنسانًا يحمل همًّا أكبر من ذاته. لقد رأينا من ترك القصور ليسكن الخيام مع اللاجئين، من وضع علمه في خدمة الفقراء لا في خدمة أرباح الشركات، ومن جعل أيامه جسرًا يمر عليه الآخرون إلى النجاة. هؤلاء لم يكن في أيديهم سلاح سوى الإيمان بأن الإنسان أثمن من أي شيء، وأن “اليد التي تمسح دمعة، أقوى من اليد التي ترفع سيفًا” كما قال المهاتما غاندي.
وفي الجانب الآخر، هناك مؤسسات خيرية رائدة، لم تكتفِ بتوزيع المعونات، بل بنت الأمل حجَرًا فوق حجر. مؤسسات جعلت من العمل الإنساني فنًا، ومن الإدارة الحكيمة عبادة، ومن كل مشروع قصة نجاح. فهي لم ترَ الفقير مجرد متلقٍ، بل شريكًا في البناء. أقامت المدارس في المخيمات، والمستشفيات في المناطق المنسية، والمزارع في القرى التي هجرتها التنمية. من بين هذه النماذج، ما يستحق أن يُروى للأجيال، لأنها لم تمنح الناس الخبز وحده، بل علّمتهم كيف يزرعونه. وكما قال نيلسون مانديلا: “القضاء على الفقر ليس عمل إحسان، إنه عمل من أجل العدالة.”
لكن بعض النماذج الإنسانية ليست فردًا ولا مؤسسة، بل مجتمعًا بأكمله، ينهض رغم القيد والجراح. انظر إلى غزة، قطعة الأرض الصغيرة التي تعلّم العالم كل يوم أن الكرامة لا تُحاصر. مدينة من الألم، لكنها تصنع الفرح من بين الأنقاض، وتكتب مستقبلها بدماء شهدائها، وتحوّل الخوف إلى مدرسة للشجاعة. غزة ليست مجرد جغرافيا، إنها فكرة حية، شهادة على أن الإنسان قادر على البقاء إن تمسّك بالقيم. هناك أطفال يذهبون إلى المدارس عبر الركام، نساء يخبزن الخبز في بيوت نصفها سماء، رجال يرممون ما تهدم في النهار ليقفوا في الليل حراسًا على حدود الحلم. إنها قصة لا تُمنح فيها نوبل للإنسانية لشخص، بل لروح جماعية تتجاوز الأفراد.
وإن كان للعالم ضمير أكثر يقظة، لمنح هذه الجائزة لتلك المجتمعات التي تمثل ذاكرة الصمود. لأن الإنسانية ليست إنجازًا فرديًا فحسب، بل هي أيضًا إرادة جماعية ترفض أن تُكسر. كما قال مارتن لوثر كينغ: “الظلم في أي مكان تهديد للعدل في كل مكان.” إن تجاهل معاناة غزة وأمثالها، ليس فقط ظلمًا لها، بل جرحًا في إنسانية العالم بأسره.
“نوبل للإنسانية” ليست مجرد ميدالية أو شهادة تُعلّق على الجدران، بل هي وعد بأن من يعطي بلا مقابل، من يرمم ما تهدم بلا كلل، من يختار الرحمة على الربح، سيظل حاضرًا في ضمير العالم. هي رسالة تقول: “نحن نراك… وإن لم تصفق لك القاعات الكبرى.” فمن أنقذ غريقًا، أو أوقف مجاعة، أو جعل من التعليم سلاحًا، أو أعاد لقرية الحياة بعد أن غادرتها، قد صنع ما يستحق الخلود. والحقيقة أن هذه الجائزة، إن وُجدت، لن تمنح فقط للذين صنعوا الفارق في حياة الآخرين، بل ستعيد صياغة مفهوم النجاح نفسه. النجاح لن يُقاس بعدد الجوائز، بل بعدد القلوب التي تغيرت، والبيوت التي أضاءت، والأرواح التي نجت. وكما قال ألبرت شفايتزر: “أحيانًا يكون مصير العالم متوقفًا على فعل صغير من اللطف.”
حين ننظر إلى العالم اليوم، نجد أنه مليء بالمخترعين، لكننا نحتاج أكثر إلى المصلحين. لدينا الكثير من المال، لكننا نفتقر إلى المزيد من الرحمة. لدينا قوانين تحكم العلاقات بين الدول، لكننا بحاجة إلى ضمير يحكم العلاقات بين البشر. “نوبل للإنسانية” ستكون خطوة نحو إعادة ترتيب سلم الأولويات، لتضع في قمته أولئك الذين فهموا أن القيمة الحقيقية للإنسان، في قدرته على العطاء لا الأخذ. إن هذا التكريم العالمي، إن وُجد، سيجعل الأطفال في غزة، والأطباء في مخيمات اللاجئين، والمزارعين في القرى النائية، والمعلمين في المناطق الفقيرة، يشعرون أن العالم لا يكتفي بمشاهدة نضالهم، بل يعترف به. سيجعل من الإنسانية لغة عالمية، لا تحتاج إلى ترجمة، لأن الفعل النبيل يُفهم في كل الثقافات.
ربما كان ألفريد نوبل، حين أسس جائزته، يريد أن يكفّر عن ماضيه في صناعة الديناميت. لكن “نوبل للإنسانية” ستكون تكفيرًا عن حاضرنا جميعًا، عن صمتنا أمام الجوع، وعن ترددنا في مواجهة الظلم، وعن انشغالنا بأنفسنا حتى نسينا من حولنا. هي ليست هدية للمكرّمين، بل إنقاذ لروحنا نحن. وفي النهاية، تبقى هذه الجائزة حلمًا يستحق أن يُقاتل من أجله، لأنها ستعيد تعريف البطولة، وستجعل الأضواء تذهب إلى حيث يوجد القلب النابض بالخير، لا إلى حيث يوجد النفوذ. وكما قال فيكتور هوغو: “أعظم سلاح ضد عدوك، أن تعامله بإنسانية.” فحين نمنح نوبل للإنسانية، فإننا لا نكرّم الأبطال وحدهم، بل نعلن أننا اخترنا أن نكون بشرًا بحق.