|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

في قاعةٍ فسيحة من نور الفكرة، وجلست على أرائك الزمن ثلاثةُ كائناتٍ من طرازٍ نادر، لم يجتمعوا يومًا من قبل، لكنّ ساعة اللقاء قد حانت. كان ذلك اللقاء “حوارًا لم يشهده التاريخ”… لا لأنه مستحيل، بل لأنه مؤجَّل. مؤجَّلٌ بفعل الغفلة، أو الخوف، أو وهم الاكتفاء.
الأول كان أنيقًا، صامتًا، يمشي بوقار… اسمه “الامتثال”.
الثاني كان جريئًا، ذا عينٍ لا تنام، اسمه “المساءلة”.
الثالث كان شامخًا، مُحكم البنية، اسمه “المؤسسية”.
وحين دار بينهم الحوار، كانت تلك اللحظة أقرب إلى المجاز، أو إلى صحوةٍ تنتظرها أمم، وترجوها مؤسسات، وتشتاق إليها حضارات نُهبت من داخلها قبل أن يُغزا ترابها
الامتثال: حين يكون القانون ضميرًا
تحدث الامتثال أولاً، بصوتٍ خافت، لكنه ملآن بالمعاني: “أنا الذي إن حضرتُ طابت النفوس، وسكنت الإدارات، واطمأنت القلوب إلى أن القانون ليس سيفًا، بل ضميرٌ حي. أنا الامتثال الذي يجعل الموظف يعمل وكأن عينه ترى الله، لا لأن الكاميرا ترصده، بل لأن القيم تحكمه.”
ردّت المؤسسية بلحن العقل: “لكن يا صديقي، وحدك لا تكفي. كم من إدارةٍ امتلأت بلوائح جميلة، وسياسات أنيقة، لكنّها ظلّت جوفاء لأنك لم تُطبّق، ولم تُحاسب، بل صرت ترفًا تنظيريًّا في أدراجٍ مغلقة.”
المساءلة: حين تسأل العدالة أين ذهب الضوء؟
دخلت المساءلة كمن يدخل مسرحًا، لا ليُمثّل، بل ليُبصر الخلل:
“وأنا؟ أنا من يُخيف الطغاة، ويُعيد للناس ثقتهم في الأنظمة. أنا من يسأل: من قرر؟ لماذا؟ وعلى أي أساس؟ وماذا كانت النتيجة؟
أنا لا أحاكم… بل أُنير. فإن أخطأ صديقك الامتثال، أو غابت عنه الحقيقة، فأنا من يُعيد البوصلة.”
قال الامتثال في شيء من الانكسار:
“ولكنك حين تُبالغ… تُرعب! قد تصبح أداة انتقام، وتتحوّل من عينٍ عادلة إلى خنجر في الخاصرة.”
ضحكت المؤسسية بخفّة، وقالت: “ها نحن نقترب من الحقيقة. فالمؤسسة التي تبني امتثالًا بلا مساءلة، كمن يبني بيتًا بلا أبواب، ومن يُحاسب بلا معايير، كمن يُصوّب النار عشوائيًا. لكنني – المؤسسية – أُوازن بينكما، أُهندس الضبط، وأُجمّل الردع، وأُقدّس المبدأ لا الشخص.”
المؤسسية: حين تصير القيم أنظمة
اقتربت المؤسسية من الاثنين، كمن يُمسك أيدي طفلين متنازعين، ثم قالت بحكمة النظم: “أنا الهيكل، والروح، والمرجع. في حضرتي، لا يضيع الامتثال في زحمة الشعارات، ولا تُغتال المساءلة في متاهات الانتقام. أنا من يُحوّل النوايا إلى سياسات، والعدالة إلى لوائح، والمبادئ إلى أنظمة لا تموت بموت المدير، ولا تتغير بتغير المزاج.”
سألها الامتثال: “لكن لماذا تتعثر المؤسسات بي؟ لماذا يكون اسمي جميلًا في الورق، غائبًا في الواقع؟”
أجابته بهدوء: “لأنك لا تُدعم بخارطة واضحة، ولا تُدرّب عليه النفوس، ولا تُربط بنتائج. والكارثة، حين تُختزل في توقيع، أو في خانة تُملأ آليًا.”
وهنا تدخلت المساءلة: “وأنا، لماذا يهربون مني؟”
ردت المؤسسية: “لأنهم لا يفهمونك. يرونك سلطة، لا حارسًا. يعتبرونك خصمًا، لا مرآة. ولو عرفوا أنك ما جئت إلا لتصحيح المسار، لاحترموك لا خافوك.”
حين اجتمعوا… تحوّلت الإدارة إلى حياة
في لحظةٍ نادرة، وقف الثلاثة، ونظروا إلى لوحةٍ كبيرةٍ على الحائط، كُتب عليها:
“مؤسسة دون امتثال، سفينة بلا بوصلة.
ومؤسسة دون مساءلة، قصرٌ دون حراسة.
ومؤسسة دون مؤسسية، قبيلةٌ بلا ميثاق.”
قال الامتثال: “معك يا مساءلة، أصير حيًّا لا مجرّد التزام.”
قالت المساءلة: “ومعكِ يا مؤسسية، أصير عادلة لا انتقائية.”
قالت المؤسسية: “ومعكما، نحيا سويًّا لا منفصلين… فإمّا أن نُدار بالصدق، أو نسقط بالتسيب.”
هذا الحوار… لماذا لم يشهده التاريخ؟ لأن كثيرًا من المؤسسات خافت من جمع الثلاثة. فواحدةٌ تُظهر التقصير، والأخرى تتطلب شجاعة القرار، والثالثة تُلزم بتنازل الأنا لصالح المنهج.
كثيرون أحبوا الامتثال، لكن كزينةٍ لفظية. وكثيرون أرادوا مساءلة، لكن بلا نتائج. وكثيرون أقاموا هياكل، بلا روح ولا حياة.
ولذا، ظل هذا الحوار معلقًا في سماء المثال، لا يهبط إلى واقع المؤسسات إلا حين يظهر:
• قائدٌ شجاع لا يخاف الحقيقة،
• وهيئةُ حوكمةٍ رشيدة تؤمن بالتكامل لا التغوّل،
• وإرادةٌ مؤسسية تنشد الخلود لا الإنجاز اللحظي
وختامًا: حين تنطق المؤسسات بما لم يُكتب
إن كانت المؤسسات تنطق، لقالت:
“يا من تؤسسونني، لا تجعلوني هيكلًا فارغًا. ازرعوا فيّ الامتثال، واسقوني بالمساءلة، واحرسوني بالمؤسسية… لأثمر أداءً، وعدلاً، واستدامة.”
ويا من تقرأ هذا المقال، اعلم أن ما كتبناه ليس من خيال، بل من حنينٍ لحقيقةٍ يمكن أن تكون. فاجعل هذا الحوار ليس مجرّد سرد، بل خطة عمل، وثقافة، ومبدأ حياة. واجعل من مؤسستك مسرحًا لهذا اللقاء التاريخي، ليُقال يومًا: “كانت هنا مؤسسةٌ اجتمع فيها الامتثال والمساءلة والمؤسسية… فأصبحت منارةً في زمن التيه.”