|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

رأيتُها في الحلم… أم لعلّي رأيتُها يقظة؟ آلة فولاذية ضخمة، مدهونة بشعارات النزاهة والانضباط، مثبتة في قلب مؤسسة عظيمة المبنى، ميتة المعنى. مفرمة لحم لا تميّز بين مفتاح سيارة حرية، أو بطاقة هوية مبدع، أو حتى قلب نابض بشغف الخدمة… كل ما يُلقى فيها، يُطحن.
كانت المفاتيح تُرمى فيها من الأعلى: حرية التعبير، التفكير المستقل، الجرأة على السؤال، المبادرة الذاتية، وكانت تخرج من الأسفل سلاسل جاهزة: سلاسل الحضور والانصراف، سلاسل البصمة الإدارية، سلاسل التقييم العددي، سلاسل التقارير التي لا تُقرأ. كل شيء كان يسير بدقة آلية، لا تخطئ إلا الإنسان.
حين تستيقظ المؤسسات ذات يوم على صوت الحديد يُطحن، لا تنتبه أن الذي يُسحق ليس الفولاذ، بل الكرامة. وما الحرية في بيئة العمل إلا ذلك الفضاء الذي يستطيع فيه الإنسان أن يُخطئ ويتعلم، أن يُبادر ويُكافأ، أن يُعارض دون أن يُعدم.لكن المفرمة لا تفهم هذه اللغة. هي لا تعرف سوى أداة تُطحن، وناتج يُقاس. وما أشد ما قاله ابن خلدون حين حدّث عن الدولة إذا فسدت: “تبدأ أولًا بقمع الحرية، ثم تنتهي بإفساد الفطرة”. ويا لعجب الأقدار حين تتحول مفاتيح الحرية إلى مادة خام لسلاسل تُكبّل الأيدي والأفكار.
دخل ذات صباح مدير جديد إلى المؤسسة، كانت عيونه تلمع بانبهار الإدارة، وتضيء بجداول Excel.
نظّم الطوابير، رتّب المكاتب، جعل التوقيع بالبصمة بدلًا من الكلمة.
ثم التفت إلى وحدة الموارد البشرية قائلًا: “اصنعوا لي بشرًا لا يشتكون، ولا يفكرون، ولا يتأخرون”. فقال له كبيرهم: “نحتاج مفرمة!”.وهكذا وُلدت السياسة الجديدة.
ولك أن تتأمل، يا من تقرأ، كيف تكون المفرمة في عالم الإدارة؟ قد تكون في نموذج تقييم لا يحتمل الروح،
أو في لائحة جزاءات كُتبت في زمن الحرب، أو في مدير يظن أن السلطة تُقاس بالصوت المرتفع، لا بحجم القلب. لقد رأيتُ في مؤسسة ذات يوم مبدعًا جاء بشهادة دولية نادرة، وكان يحلم أن يُحدث بها فارقًا.
قالوا له: “ما دخلها بالخطة التشغيلية؟ لا بند لها في الموازنة”.
كأن الموازنة قرآن، وكأن الخطة التشغيلية وحي لا يُبدَّل. وخرج صاحبنا محطمًا، مطحونًا، مجرد رقم موظف زائد، قبل أن تبتلعه آلة أخرى. هنا يحضرني الرافعي، حين كتب وكأنه يصف ذلك المشهد الإداري المؤلم “إذا نامت ضمائر الكبار، نامت أحلام الصغار… واستيقظ الجلاد.”
لكن دعني أقول لك هذا: ليست الموارد البشرية دومًا هي من تُشغل المفرمة. بل في الغالب، هي الأداة لا القرار. فالمفرمة الحقيقية تُدار من مكان آخر… من تلك الزاوية المظلمة في القيادة، حيث يجلس من سمّاه التاريخ الإداري: “رجل الظل”.
إنه ليس المدير الأعلى، ولا الموظف العادي. إنه ذلك المخضرم القديم، الموثوق، الذي فهم مزاج القيادة، وتماهى مع رغبتها دون أن تُنطق.
هو من يصوغ السياسة قبل أن تُكتب، ويصنع الولاء قبل أن يُطلب.
يُلبس القسوة لباس الحزم، ويحوّل غموض اللوائح إلى قيدٍ مُحكم.
هو من يجعل الحريات تُدفن باسم المؤسسية، والكرامة تُشطب باسم “الصالح العام”. هذا “القائد الخفي” هو اليد التي تدير المفرمة، بينما الموارد البشرية تقف عند فوهتها، تنفذ ولا تسأل. وهنا نكتشف أن الطغيان المؤسسي لا يبدأ بلوائح صارمة، بل بعقل خائف… خائف من الحرية، من الفكر، من النقد، من التجاوز، من الإنسان حين يكون إنسانًا.
المعضلة في القيادة ليست في إدارة الموارد، بل في معرفة:هل أنا أتعامل مع موارد… أم مع بشر؟ وهل كل خطأ يعني خيانة؟ وهل الولاء يعني الطاعة العمياء، أم الصدق المحب؟
قائد حقيقي مرّ من هنا ذات يوم، لم يترك خلفه منشورات مطبوعة، بل قصصًا يُروى بها. كان إذا دخل المكتب سأل أولًا: من غاب؟ لماذا غاب؟ هل يعود سعيدًا؟ وكان إذا رأى من يبدع، وسّع له الطريق، وإن خالفه، قبّل رأيه. وكان يقول: “وظيفتي ليست أن أحصي عدد ساعاتكم، بل أن أحرر طاقاتكم.”ذلك القائد، لم يحتج مفرمة.كان يُمسك المفاتيح، ويصنع منها أبوابًا، لا أغلالًا.
لكنهم حين غاب، قالوا: “كنا نحلم. الآن حان وقت الجِد”.فعادوا إلى المفرمة.أعادوا تزييتها بالقوانين، وتركيبها باللوائح. وظنوا أن الحديد يُنبت الثمر، وأن القيد يمنع الفساد، وأن البصمة تغني عن البصيرة.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح الآن ليس: من المسؤول؟ بل: من الذي نُطحن في مؤسسته كل يوم ولا يشعر؟ من الذي جعل من قسم الموارد البشرية، غرفة تجفيف للكرامة؟ من الذي يكتب التقارير عن غياب المبدعين، ولا يسأل: لماذا لم يعودوا؟ من الذي نسي أن المؤسسة ليست آلات، بل أحلام تمشي على الأرض؟
في لحظة صفاء، جلستُ أرقب المشهد من بعيد…تلك المفرمة، مهما كانت متقنة الصناعة، لا يمكنها طحن الضمير. قد تطحن الصوت، لكن لا تطحن الصدى. قد تقيّد الجسد، لكن لا تُقيّد الحلم. وفي يوم ما، ستتوقف. وإن لم تتوقف، فستنهار المؤسسة من داخلها، بصمتٍ لا يُسمع، واحتراقٍ لا يُرى.
وختامًا: يا من تقود، تذكّر أن المناصب تُمنح، لكن الخلود لا يُهدى إلا لمن حافظ على الإنسان. ويا من تكتب اللوائح، لا تجعلها سكاكين.
ويا من تدير قسم الموارد البشرية، تذكّر أن الإنسان ليس موردًا… بل رسالة. فإن أنت فرّطت بمفاتيح الحرية، فاستعدّ لتوريث من خلفك سلاسل العبودية. فلن يُبارك في قيد، ولو كان من ذهب.