|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

حين يتكلم السعر لغة القيم
في عالم العمل المؤسسي، لا شيء يثير الريبة كالرقم الغامض، ولا شيء يُنعش الثقة مثل السعر العادل.
وبين مؤسساتٍ تُهدر فرصها بسبب تسعيرٍ عشوائي، وأخرى تُفرّط في قيمة مشروعاتها إرضاءً للجهات المانحة أو تقليدًا للأسواق، تولد الحاجة المُلحّة لما يُعرف بـ “دليل تسعير المشاريع” – ذاك المرجع الصامت، لكن العادل، الذي يُعيد للرقم هيبته، وللمشروع كرامته، وللمؤسسة مهنيتها. فليس المقصود من هذا الدليل أن يكون جدولاً جامدًا بالأرقام، بل أن يتحوّل إلى “ميزان أخلاقي وفني”، يُراعي الفروقات الجغرافية، ويحتكم إلى منطق الكفاءة، ويُقنع المانحين دون أن يُضعف الأثر أو يُفرط في الجودة. كما قال بيتر دراكر “ليست الأرقام هي التي تصنع القرار، بل القيم التي توجّه قراءتها.”
أولاً: ما هو دليل تسعير المشاريع؟
هو وثيقة مؤسسية مرجعية، تتضمّن القيم المالية التقديرية لمختلف المشاريع التي تنفذها المؤسسة، سواء بحسب النوع، أو القطاع، أو الجغرافيا، أو وحدة التنفيذ.
وتمثل هذه الوثيقة نتاجًا لتراكم الخبرات، والتحليل الفني، والمتابعة الميدانية، والتوازن بين الكلفة الحقيقية والقدرة التمويلية. إنه ليس مجرد “سعر”، بل إجماع مؤسسي على القيمة العادلة للمشروع، بما يحفظ كرامة التنفيذ، وشفافية التعاقد، ووضوح العرض المالي.
ثانيًا: لماذا نحتاج إلى دليل تسعير مهني؟
- منع الفوضى المالية:دون دليل موحّد، تتباين الأسعار لنفس المشروع بين مكتب وآخر، أو موظف وآخر، مما يثير التساؤلات ويضعف الثقة.
2.توحيد العروض التمويلية: حين تُقدم المؤسسة عرضًا للمانحين، تكون لديها مرجعية دقيقة لتكلفة كل مشروع، فتُقنع وتُبرّر وتُقارن بموضوعية.
3.ضمان العدالة الجغرافية: فالدليل يراعي اختلاف الأسعار حسب المناطق (الحضرية، الريفية، النائية…) دون أن يسمح بالمغالاة أو الإهمال.
4.حماية المؤسسة من التضليل: سواء في مرحلة التعاقد، أو الشراء، أو التقييم؛ يمنع الدليل التقديرات الوهمية أو التسعير الغائم.
5.ربط الميزانية بالواقع:
فكل ميزانية مشروع تستند إلى أرقام مدروسة لا إلى اجتهادات شخصية، أو نوايا حسنة.
وفقًا لإطار CHS (المعيار الإنساني الأساسي للجودة والمساءلة)، فإن: “كل تدخل إنساني يجب أن يكون مستندًا إلى تحليل مالي دقيق يتسم بالشفافية والكفاءة ويخضع للمراجعة الداخلية والخارجية.”
ثالثًا: معايير المهنية في إعداد دليل التسعير
ليس كل دليل يُسمى مهنيًا. فهناك فرقٌ بين جدول أسعار، وبين دليل يعكس نضجًا مؤسسيًا ووعيًا بالأبعاد الاستراتيجية.
ومن أبرز المعايير التي يجب أن يتصف بها:
- الشمولية: يغطي كافة أنواع المشاريع والقطاعات التي تعمل بها المؤسسة.
2.التحديث الدوري: يُراجع كل 6 أو 12 شهرًا بحسب تغيرات السوق والميدان، وفق مبدأ Adaptive Management.
3.الواقعية: يستند إلى عروض أسعار محدثة، وتجارب تنفيذ فعلية، وتقديرات مستقلة عند الحاجة.
4.المرونة المنضبطة: يسمح بهامش اختلاف (±10-15%) وفق الظروف، لكن ضمن ضوابط واضحة.
5.التوثيق والمرجعية: كل رقم يجب أن يكون مرفقًا بمنهجية تسعير دقيقة (Cost Breakdown Analysis).
6.المساءلة والشفافية: يُتاح للجهات المانحة، ويُرفق بمنطق التقدير، ويُراجع داخليًا.
رابعًا: التحديات التي تواجه المؤسسات في إعداد الدليل
رغم وضوح أهميته، إلا أن الواقع المؤسسي يكشف جملة من التحديات:
1- ضعف قاعدة البيانات التاريخية: فالتسعير يبدأ غالبًا من الصفر، لا من تحليلات المشاريع السابقة.
2- التنازع بين الإدارات: البرامج تُقدّر، والمالية تُقلّل، والمشتريات تُراجع… وتضيع الحقيقة بين السياسات.
3- مراعاة سقف التمويل على حساب كرامة التنفيذ: تُخفض الأسعار مجاملة للممولين، فتنكسر الجودة.
4-عدم وجود آلية مراجعة داخلية فعالة: فالدليل يُنجز ثم يُنسى، أو يُستخدم دون تحليل أثر لاحق. “ما لا يُقاس، لا يُمكن إدارته. وما لا يُراجع، لا يُمكن تحسينه.”
خامسًا: من يصوغ الدليل؟ ومن يعتمدُه؟
1-الجهة الفنية المشرفة: إدارة المشاريع والبرامج
2-العلاقات التنظيمية: المالية، التسويق ، المشتريات، التقييم والمتابعة، المكاتب الجغرافية.
3-الجهة المُعتمِدة: المجلس التنفيذي أو لجنة التكاليف المركزية.
4- المراجعة الدورية: سنوية على الأقل، أو عند حدوث تغيّرات سوقية رئيسية.
ويُفضَّل أن يُرفق الدليل بمنهجية تسعير واضحة تتماشى مع نموذج PMD Pro أو معايير SPHERE.
عندما تُصبح الأرقام حاكمةً بالعدل
إن مهنية دليل تسعير المشاريع لا تعني الجمود، ولا التصلّب، بل تعني العدالة. هي ليست أرقامًا في جدول، بل لغة احترافية، وحكمة تنفيذ، ومنطق تمويلي متوازن.
وحين نمتلك هذا الدليل، فإننا نمتلك سيادة على قرارنا المالي، وثقة في جودة ما نُقدّم، وعدالة في خدمة المستفيد. فاجعل من دليل تسعيرك ليس مجرد رقم يُكتب… بل قيمة تُحتَرم، وصوت ضميرٍ يُحاور الواقع بشجاعة ومهنية