|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

“القيادة بين النشأة والأثر والمآل”
كان الباب موصدًا… ورجلٌ نحيل يقف أمامه، ينحني قليلاً، ثم يقرع. لا يحمل شيئًا. لا منصب، لا لقب، لا أوراق اعتماد. لكن في عينيه، نار تسعى، ونية لا تموت. يولد الإنسان عاريًا من كل شيء. ويبدأ رحلته العظمى: بحثًا عن “كل شيء”. يطلب المال، ثم المجد، ثم السلطة. لكن القليل، فقط القليل، من يبحث عن المعنى… عن سبب وجوده، لا عن مظاهره.
وفي هذا الركن من الأرض… في بلادٍ لا تَعرف غير العرق والتراب، وعيونٍ تعوّدت أن تنام على الجوع، وقلوبٍ تسبقها الحروب إلى الفجر… ظهر قائد. لم يكن يحمل اسمًا كبيرًا، ولا شهادة من جامعة أوروبية، ولا حتى بدلةً أنيقة. كان يحمل شيئًا واحدًا فقط: الشعور العميق بالأمانة.
حين تولى إدارة مكتب إنساني صغير في إفريقيا، لم يُلقِ خطابات، لم يُصفّق لنفسه، لم يركض نحو الأضواء. بل جلس على الأرض، بجوار أمٍّ تبكي، وطفلٍ لا يملك حذاءً.
ثم قال: “إن لم نمنحهم كرامة قبل العطاء، فسنكون مثل من سبقونا… ضجيج بلا بناء.”
بدأ من لا شيء. بلا ميزانية. بلا دعم سياسي. لكن معه شيء لا يُشترى: الرؤية الصادقة. كان يعمل حتى المساء، ويأكل ما يأكله الموظفون، ويشطب اسمه من قائمة “الضيافة الخاصة”، ويقول: “لا شيء يُفقد القائد اتصاله بالحقيقة مثل الكراسي الوثيرة.” بنى قرية من الرحمة. لا مجرد مبانٍ، بل مراكز أمل. مدارس، عيادات، حدائق للأطفال. لم يكتب اسمه على شيء، ولم يسمح لأحد أن يطلق عليه “صانع الإنجاز”. كان يرد دائمًا: “أنا لم أصنع شيئًا. كنتُ فقط أول من صدق.”
عشر سنوات من العرق، والتخلي، والمواجهة. ثم جاءه العرض: أن يصعد إلى المقر الإقليمي، أن يُصبح مسؤولًا على مستوى القارة.ابتسم، واعتذر. ثم كتب استقالته بكلمات تُدَرَّس: “جئتكم بلا شيء، وسعيتُ من أجل كل شيء، ثم قررتُ أن أترك كل شيء، لأنني أعلم يقينًا أنني سأُحاسب على كل شيء.”
رحل. لكن ظله بقي في القرى.
كلماته تُردَّد بين جدران المدرسة.
وصورته لا تزال معلقة في عيادة الولادة، حيث كانت تبكي ذات يوم امرأة… قبل أن تأتي الحياة. بعد عام، توفي في حادثٍ بسيط. لم يعرفه الإعلام، ولم ينعه كبار الشخصيات.
لكن جنازته كانت الأكبر في الإقليم.
رجلٌ لم يملك شيئًا… لكنه ترك كل شيء. هكذا تكون القيادة… ليست رتبةً تُعلّق على الصدر، بل عبءٌ يُحمل في القلب. ليست صعودًا فوق الأكتاف، بل نزولًا إلى الجذور.القيادة الحقيقية لا تُقاس بما دخل إلى الحسابات، بل بما دخل إلى القلوب.
“وقد صدق ابن خلدون حين قال:
‘الملك لا يدوم إلا بالعدل، وإن طال أمد الجور.” وكتب الرافعي يومًا:
‘العظمة الحقة في الرجل أن يرحل تاركًا خلفه أثرًا لا اسمه.’ أما الغزالي، فكان يردد: ‘ما قيمة العلم والعمل إن لم يُقَد إلى خشية؟ وما قيمة المنصب إن لم يُقَد إلى محاسبة؟’”
في النهاية، كلنا نأتي بلا شيء، ونسعى من أجل كل شيء، ثم نترك كل شيء،
ونذهب بلا شيء، لكننا… نُحاسب على كل شيء.
فيا كل من يقود اليوم، اسأل نفسك قبل أن تُسأل: هل ما تبنيه الآن، سيبكيه الناس حين ترحل؟ هل تُراكم أثرًا… أم صدى؟ هل تقود… أم تُستَخدَم؟ واعلم، أن الألقاب تموت،
والأبنية تُهدم، لكن النية لا تموت…
وما زُرِع بصدق، لا يموت. ومن أراد الخلود في ذاكرة الشعوب، فليتذكر أنه سيُحاسب لا عل