عمان وزنجبار في سيمفونية العطاء والحضارة

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

كان الغروب في زنجبار ينسج لوحته الذهبية على مياه البحر الهندي، بينما تتلاعب الريح برائحة القرنفل وعبير اللبان العماني، وتنساب أشعة الشمس الأخيرة على الموانئ، كأنها تنقل ذكريات آلاف الرحلات البحرية التي ربطت عمان بهذه الجزيرة عبر قرون طويلة. عند شاطئ الميناء، جلس شيخ عماني حكيم، عيناه تراقب الأمواج، وذاكرته تغوص في الزمن الماضي، حيث كانت سفن أجداده تبحر محملة بالعطاء والمعرفة، حاملة معها الزاد الروحي والمادي: العلم، الصبر، التجارة، القيم الأصيلة، وروح الحضارة العمانية.

الشيخ العماني: “أذكر أول وصولي إلى زنجبار، شعرت أن الأرض نفسها تعرفني. كل حجر هنا، وكل رائحة من الأسواق، وكل نسمة من البحر، كانت تروي لي حكاية الأجداد. البحر لم يكن مجرد طريق عبور، بل كان مدرسة للحياة، ينقل لنا دروس الصبر، والثبات، والعطاء بلا حدود.”

الرجل الزنجباري: “أخي العماني، نحن أبناء البحر ذاته. لقد حملنا معًا عبق القرنفل وروائح اللبان العماني وصبر البحارة الذين عبروا المحيطات. الأسواق هنا ليست مجرد مكان للتجارة، بل متحف حي، يحفظ التاريخ، ويروي قصص التعاون الحضاري، كل سفينة، كل صفقة، كل عطاء، له جذور تمتد إلى عمان.”

كانت الأمواج تتلاطم كأنها تنقل الكلمات بين الزمان والمكان، والشيخ العماني يرى فيها انعكاس سفن الماضي، مليئة بالعلم والمهارة، مستذكرًا قول المفكر العماني سيف بن محمد الغافري: “الاستقامة والصدق هما جوهر القيادة، وأساس كل نهضة”. هذه القيم كانت الزاد الحقيقي لكل رحلة بحرية، أكبر من أي سلعة مادية.

الشيخ العماني: “تاريخنا المشترك يعلمنا أن العمل والعطاء مستمران عبر الزمن. البحر الذي جمعنا لم يكن مجرد طريق تجارة، بل مدرسة للروح، وموئل للزاد الذي يمنح الإنسان القدرة على الصبر والبناء. اللبان الذي نحمله والقرنفل الذي تزرعونه ليسا مجرد سلع، بل رموز لحضارة تتجدد في كل جيل.”

الرجل الزنجباري: “صحيح، شيخ. كلما نظرت حولي في الأسواق، أرى أثر العمانيين في التعليم، العمارة، القيم، وفي حياة الناس اليومية. نحن لا نعيش الماضي فحسب، بل نجعله حاضرًا، نغذيه في كل ابتسامة، في كل تواصل، في كل مشروع تجاري.”

ثم أشار الشيخ إلى اللباس التقليدي المشترك، وغطاء الرأس، رمز الاحترام والتقارب الثقافي، فقال:

الشيخ العماني: “حتى زيّنا المشترك يحمل رسالة عميقة. ليس مجرد ملابس، بل إعلان عن الاحترام المتبادل وحفظ الكرامة والتقارب الثقافي. إنه إرث يُعلّم الأجيال أن الوحدة ليست بالكلام، بل بالممارسة والتقليد.”

الرجل الزنجباري: “ولا ننسى الطعام، يا شيخ. كل وجبة هنا تحمل قصة: المندي، الحلويات التقليدية، الأعشاب المحلية، كلها تذكرنا بالزاد الذي منحنا إياه البحر، بالمعرفة التي جلبها البحارة، وبالعطاء الذي صنع حضارتنا. الطعام هنا ليس مجرد غذاء، بل تجربة حسية تربطنا بالماضي وتغذي المستقبل.”

وفي لحظة رمزية، وقفت طفلة زنجبارية على رصيف الميناء، تحمل بين يديها صندوقًا صغيرًا من اللبان، وأهدته للشيخ العماني، قائلة: “هذا من جدتي، ليعرف الجميع أن عمان هنا معنا دائمًا.” ابتسم الشيخ وأمسك باليد الصغيرة:

الشيخ العماني: “هذه هي الرسالة الحقيقية. الزاد الحقيقي ليس فقط ما تحمله السفن، بل ما تزرعه في القلوب، وما تتركه من أثر في المستقبل.”

تأمل الشيخ الأمواج، وأشار إلى مجموعة من الأطفال العمانيين والزنجباريين وهم يلعبون بالقرب من السوق، يرتدون اللباس التقليدي نفسه، يتبادلون الكلمات والضحكات:

الشيخ العماني: “انظر إليهم، إنهم مستقبلنا. هذا هو العطاء الحقيقي، أن نزرع القيم والمعرفة في الأجيال القادمة، وأن نعلّمهم أن الحضارة لا تبنى بالحجارة وحدها، بل بالقيم والعمل المشترك.”

الرجل الزنجباري: “كل يوم هنا، كل رحلة، كل اجتماع في الأسواق أو الموانئ، هو فرصة لتأكيد هذه الروابط. نحن لا نعيد التاريخ فحسب، بل نصنعه مرة أخرى، بصبر، بعطاء مستمر، وبروح مشتركة.”

وفي ذلك المساء، بدا البحر وكأنه يهمس، يحمل عبق القرنفل واللبان، مع أصوات الحوارات القديمة: قصص عن الصبر، العطاء، التجارة، الحضارة. المشهد كان لوحة حية، تختزل التاريخ والإنسانية في لحظة واحدة، حيث الماضي والحاضر والمستقبل تلتقون على شاطئ واحد.

الشيخ العماني: “إن هذا الرابط بين عمان وزنجبار ليس مجرد تاريخ، بل هو حياة مستمرة، رسالة لكل الأجيال القادمة: العمل الصادق، العطاء المستمر، وحب الحضارة، هي ما يجعل البشرية عظيمة.”

الرجل الزنجباري: “وبكل قلبنا ممتنون لهذه العلاقة. كل لحظة عمل، كل عطاء، وكل صبر هو شهادة على عمق الروابط بين شعوبنا. لقد تعلمنا من عمانيين كيف نعيش بروح الاستقامة، كيف نزرع الخير أينما حللنا، وكيف نجعل التاريخ ينبض معنا في كل لحظة.”

وفي أعماق الليل، وبينما تلمع النجوم فوق البحر، اختلط عبق القرنفل واللبان، مع صوت الأمواج وهمسات التاريخ، ليشكلوا سيمفونية خالدة من العطاء، الحضارة، والزاد المستمر الذي لا ينضب.

الشيخ العماني: “علينا أن نتذكر دائمًا أن العمل الذي نقوم به اليوم، مهما كان صغيرًا، هو استمرار لتلك الحضارة. نحن نزرع بذور الخير والعلم، ونترك أثرنا في القلوب والعقول، لا في الحجر وحده.”

الرجل الزنجباري: “لقد أصبح كل يوم هنا درسًا للجيل القادم، ليعرف أن حضارتنا المشتركة بين عمان وزنجبار، بين القرنفل واللبان، بين الزاد والعطاء، بين البحر والعمل، هي إرث خالد، لا تمحوه الأمواج، ولا ينطفئ نورها مهما طال الزمن.”

وفي نهاية الأمسية، تبادلا الابتسامات، وعرفا أن الحوار بين عمان وزنجبار لم ينتهِ بعد، بل هو بداية جديدة، فصل آخر من فصول التعاون، العطاء، الحضارة، والرؤية المشتركة، رابط لا يمحوه الزمن، ورسالة عالمية تتجاوز الحدود والقرون، لتظل أمواج الزمان شاهدة على إرث حضاري خالد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top