الزاد والرحلة “حوار لم يشهده التاريخ بين يوم الدوام ويوم العطلة”

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في كل صباح، ينهض الإنسان على وقع ساعة منبهه، وكأن العالم كله يُذكّره بأن هناك واجبًا لا يُمكن تأجيله، ومهمة يجب إنجازها. هذا هو يوم الدوام، الوجه المألوف للحياة، حيث تنتظم الساعات، وتُسطر الإنجازات على صفحات الزمن. وفي المقابل، هناك يوم العطلة، ذلك الواحة المؤقتة في صحراء الروتين، حيث يجد العقل والجسد متنفسًا، والروح فرصة للتأمل والتجدد. بين هذين اليومين يتشكل الحوار الخفي الذي لم يشهده التاريخ، حوارٌ يختزل فلسفة الحياة كلها، ويكشف عن سر التكامل بين العطاء والزاد، بين العمل والراحة، بين القيادة الذاتية والسكينة الداخلية.

الزاد للعطاء والإنتاجية

يوم الدوام ليس مجرد التزام روتيني، بل هو مساحة قيادة الذات أولًا، والآخرين ثانيًا. كما قال أرسطو: “الفضيلة هي ثمرة العادة، والتفوق يبدأ بالانضباط اليومي.” فكل دقيقة تقضيها في العمل هي بذرة تُزرع في حديقة الإنجاز، وكل جهد مبذول هو خطوة على سلم القيادة، سواء كانت قيادة مؤسسة، فريق عمل، أو حتى قيادة الحياة الخاصة. في هذا السياق، يصبح يوم الدوام هو الزاد الحقيقي الذي يمنح الإنسان القدرة على الإسهام، وعلى ترك أثر ملموس.
وعندما يعمل الفرد بوعي، يصبح كل واجب فرصة للعطاء، وكل مهمة وسيلة لتطوير الذات وتحقيق التأثير. في هذا الصدد، صدق القائل: “من يغرس في الأرض صبرًا، يحصد نجاحًا.” فالدوام هنا ليس عبئًا، بل وسيلة لبناء الإرث، لصقل المهارات، ولتحقيق أهداف أكبر من الذات الفردية.

الزاد للتجدد والروح

أما يوم العطلة، فهو المكمل الضروري للدوام، الزاد الذي لا يقل أهمية عن العمل نفسه. فكما تحتاج الآلة إلى صيانة دورية لتعمل بكفاءة، يحتاج العقل والجسد والروح إلى فسحة للراحة، للتفكر، ولتجديد الطاقة. كما يقول الفرنسي هنري بيرغسون: “الراحة لا تعني الفراغ، بل التجدد الذي يُمكّننا من مواجهة الحياة بإبداع أكبر.” في العطلة، يجد الإنسان فرصة لتغذية روحه، عبر قراءة كتاب، أو قضاء وقت ممتع مع الأهل والأصدقاء، أو ممارسة هواية طالما حُجبت خلف جدران الواجب. ويصبح هذا اليوم زادًا للعطاء، لأنه يجعل العودة إلى الدوام أكثر إنتاجية، وأكثر تركيزًا، وأكثر إبداعًا. فالعطلة هنا ليست تضييعًا للوقت، بل استثمارًا ذكيًا في الذات، وتهيئة للإنجاز الحقيقي.

التكامل بين الدوام والعطلة

ما يثير الإعجاب في هذا الحوار الرمزي هو أن يوم الدوام ويوم العطلة ليسا متناقضين، بل متكاملان. فالدوام يعطي قيمة للعطلة، والعطلة تغذي الدوام. وهكذا تتشكل دورة متكاملة من الزاد والعطاء. كما قال أفلاطون: “الحياة ليست مجرد التقدم نحو الهدف، بل تعلم التوازن بين السعي والاستراحة.” في القيادة الحديثة، سواء على مستوى المؤسسات أو المجتمعات، يلحظ القادة الحكماء هذا التكامل. فهم يعرفون أن الاستنزاف المستمر دون فسحة للتجديد يؤدي إلى الفقدان البطيء للقدرة على الابتكار، وإلى تراجع الروح المعنوية. ومن هنا، تأتي أهمية وضع الاستراتيجيات التي تجمع بين الالتزام والانضباط من جهة، والاستراحة والتجديد من جهة أخرى. فالدوام يعطي القوة للعطاء، والعطلة تمنح الطاقة للحفاظ على هذه القوة.

العطاء المستمر والحكمة المكتسبة

الزاد في هذا السياق ليس مجرد طاقة جسدية أو وقت فراغ، بل هو ما يُكتسب من حكمة وتجارب، وما يُعطى للآخرين من أثر إيجابي. يقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “الناس أعداء ما جهلوا.” فالعطاء الحكيم يتطلب فهمًا ووعيًا، وتجربة متراكمة، وزادًا من الصبر والانضباط، وهو ما توفره لنا دورة العمل والراحة. كل يوم دوام يضيف خبرة جديدة، وكل يوم عطلة يضيف حكمة وتأملًا. وهكذا، يصبح الزاد الحقيقي مزيجًا من المعرفة، والتجربة، والراحة، والاستعداد لمواجهة تحديات جديدة. إنه عطاء الذات للآخرين، وإثراء النفس بالسكينة والتوازن.

بين الضغط والسكينة

الأمر الغريب أن الإنسان غالبًا ما يرى الصراع بين يوم الدوام ويوم العطلة وكأنه صراع حقيقي، بينما الحقيقة أن كل منهما يحتاج إلى الآخر. كما قال توماس كارليل: “النجاح الحقيقي هو أن تعرف كيف تتوقف لتستجمع قواك، قبل أن تفقدها.” فالدوام وحده بلا عطلة يؤدي إلى الإرهاق، والعطلة وحدها بلا دوام تفقد قيمتها. ومن خلال هذا الحوار الرمزي، نتعلم أن الحكمة في الحياة تكمن في التوازن، وفي معرفة كيف نحول كل لحظة إلى زاد، وكل تجربة إلى عطاء، وكل التزام إلى فرصة للابتكار والقيادة.

حياة متكاملة بين العطاء والزاد

إن حوار يوم الدوام ويوم العطلة لم يكن مجرد جدال رمزي، بل درسًا عالميًا في القيادة الذاتية، والتوازن بين الالتزام والتجديد، وبين العمل والراحة. فكل لحظة عمل هي فرصة للعطاء، وكل لحظة استراحة هي زاد للروح والجسد والعقل. وهكذا تتحول الحياة إلى رحلة غنية، مليئة بالمشاعر، والعبر، والإنجازات، حيث يكون لكل يوم قيمته، ولكل تجربة أثرها، ولكل إنسان القدرة على قيادة نفسه نحو الأفضل. وبهذا الفهم، يصبح الإنسان قائدًا لحياته، مزودًا بالزاد، وملهماً بالعطاء، عارفًا كيف يجعل كل يوم، سواء دوام أو عطلة، محطة للتعلم، للإبداع، وللنمو الروحي والمادي. وهكذا، تتحقق الرحلة، وتكتمل الصورة، ويصبح كل لحظة في حياة الإنسان علامة مضيئة على التوازن بين العمل والراحة، بين الزاد والعطاء، بين الإرادة والسكينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top