|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

ستة وعشرون عامًا، وسبعة أشهر، وتسعة أيام… ليست سطورًا جامدة في سجل إداري، بل هي عمرٌ من الصدق والبذل، مغموسة بعرق النية وضياء الإخلاص، ومرصعة بأيامٍ مضت على هدوئها تحمل في طياتها ضجيج العطاء، وليالٍ طال سهرها دون أن تنتظر تصفيقًا أو إطراء.
كنتَ تمشي في المؤسسة كما تمشي الروح في الجسد، خفيف الظل، رقيق القلب، لكن أثر خطوك أثقل من أن يُمحى. وذات صباح، جاء الخطاب… باردًا كريحٍ عابرة، جافًا كصفعةٍ غير متوقعة، صامتًا كغدر صديقٍ لم يلتفت أن في الوداع كرامةً، وفي الشكر واجبًا، وفي الوفاء اختبارًا.
لم تُرفع لك يدُ تحية، ولم تُمسح عن جبينك غبار الرحلة الطويلة، ولم يسأل ضمير غائب: من نكون لو لم يكن بيننا هذا الرجل؟
لكننا نكبر في لحظات الجرح حين نقولها عن يقين: حسبنا الله ونِعم الوكيل. دعاء لا ينطق به إلا قلبٌ امتلأ ثقة، وعقلٌ أدرك أن الحق لا يُستجدى من البشر، بل يُهدى من السماء. ونشهد… أن ما طُوي بقرارٍ سيبقى مفتوحًا في القلوب. وأن ما أُغلق في ملفٍ إداري سيظلّ حاضرًا في ضمائر الشرفاء. وأن ما تجرأ عليه البعض، سيحكم عليه الزمن بميزانه، ويشهد عليه العدل الحق يوم لا تنفع المناصب ولا التواقيع.
يا غالي… لقد أديت ما يُشرّف الرجال، وبذلت ما لا يضيع عند الله، ورفعت الرأس كما يليق بالكبار. من عرف طريق الرحمة لا يضلّ في دروب الجحود، ومن عاش للناس عاش خالدًا في قلوبهم، لا في أوراقٍ تنتهي بختمٍ باهت.
أنت زرعت بذورًا في الأرض والقلوب، وسقيتها بإخلاصٍ ورحابة، ولم تنتظر جزاءً إلا من الله. فإن غاب جسدك عن جدران المؤسسة، فإن ظلك باقٍ شاهدًا، وذكراك باقيةً نبراسًا، وسؤالك الأخلاقي لا يُمحى: أين الوفاء؟
رحم الله عهدًا كنت فيه وجه المؤسسة وضميرها، وسيبدلك الله ما هو خير، ويجعل ما بذلته صدقةً جارية، وأثرًا باقياً في دنيا الناس وآخرتك. ودمت، كما عهدناك، كبيرًا في عطائك، صادقًا في قلبك، وحرًا في كرامتك