حين تظلّ الشجرة شجرة… وإن جفّت

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

كنا نسير معًا، أنا وصديقي، في دربٍ ريفي هادئ، يلوّن الغروب فيه أطراف السماء بلون الصدأ، وتغفو الطيور في صمت الأشجار. لم يكن الحديث بيننا متكلفًا؛ فقد كانت الأرواح تتبادل المعنى قبل اللفظ.

وفجأة، توقّف صديقي وأشار نحو شجرة جافة، واقفة على جانب الطريق. لا أوراق تظلّلها، لا عصافير تُغني فوقها، لا ظلّ، لا ثمرة… مجرد هيكل حيّ من خشبٍ ناشف، يشبه في مظهره عكاز الزمن. قال لي بهدوء: “انظر… ما زلنا إذا أُشير إليها نقول: شجرة… لكنها إن قُطعت، سنقول: خشبة!” تأملت العبارة… لم تكن ملاحظة لغوية. كانت نبضًا من عمق الوعي. كانت تصف الحياة.

في حياة القيادات – الفردية والمؤسسية – تمرّ لحظات جفاف، قد تطول فيها الفصول، وتجفّ فيها الأوراق، وتنحسر الإنجازات، وتضطرب الأرقام، وربما تُحجب عن العيون نتائج الجهد. ومع ذلك… هناك فرق بين من يظلّ شجرةً واقفة، ومن ينكسر ليُصبح خشبة مهملة.

القيادة ليست عن الألق، بل عن المعنى. وليست عن الموسم، بل عن الجذر. إنها اختبار حقيقي في اللحظات التي تفقد فيها أوراقك… حين لا ترى من نفسك سوى التجريد، وحين لا ترى الناس فيك سوى الجفاف. لكن الله، والذاكرة، والمواقف، والجوهر… كلها تشهد أنك ما زلت شجرة.

تُرى، ما الذي يُبقي الإنسان “شجرة” في زمن الجفاف؟ إنه الثبات على المعنى. أن تعرف من أنت، وماذا تمثل، ولماذا تقف. الشجرة لا تُختصر في خُضرتها. بل تُعرف بوقفتها، بجذرها المغروس في الأرض، بامتدادها نحو السماء…
تمامًا كما القائد الأصيل. ذلك الذي لا تهزه الرياح، حتى إن كُسرت بعض فروعه، أو هاجمه اليأس.ذلك الذي لا يبيع القيم ليشتري اللحظة، ولا يفرّط بالجذور ليستبقي ورقة خضراء أمام الكاميرات.

في التجربة الإنسانية كلها، يمرّ القادة بمراحل خريفية. غربة إبراهيم، وسُخرية قومه. وحصار محمد ﷺ في شِعب أبي طالب، حتى قيل: انتهى أمره. وسنوات السجن التي غيّبت يوسف. وسنوات التيه التي مشى فيها موسى بين صخور الصحراء، قبل أن يرى النار على جبل الطور. كلهم مرّوا على شجرة جافة في دواخلهم…لكنهم ظلّوا شجرًا.
ذلك لأن القيادة ليست حشدًا من اللحظات المضيئة فقط، بل هي القدرة على الثبات المعنوي في قلب العاصفة. ألا تغيّرك الظروف، وإن جرّدتك من الزينة. أن تظلّ أمينًا لهويتك، حتى وأنت بلا أوراق.

أصعب ما في القيادة ليس أن تقود حين تسير القافلة، بل أن تقف ثابتًا حين تضيع الطريق… أن تُشبه الشجرة التي لم تعد تُثمر، لكنها تظلُّ واقفة، تشير إليها الأيدي باحترام: “هذه شجرة”. لأنها لم تتخلّ عن مكانها، ولم تقطعها يد الانكسار، ولم تفقد وظيفتها الرمزية في أعين من يعرفون الحقيقة. القائد الذي يظل شجرةً في نظر الآخرين، هو الذي يحمل في صمته ذاكرة من الظلال، وفي خشونه ماضيًا من الثمار، وفي صموده وعدًا بفصل قادم.

جلسنا قرب الشجرة… وكان الهواء ساكنًا. قال صديقي: “الخشب يُحرق، لكن الشجرة إذا عادت تُثمر… كل ما تحتاجه فصل آخر فقط.” وهنا تأملتُ شيئًا آخر… الخشبة لا تُثمر.
الخشبة فقدت هويتها، صارت أداة، قطعة جامدة تُنقل، تُباع، تُستعمل.
أما الشجرة، حتى في جفافها، تُشبه الحياة. تحمل احتمال البعث. فيها جذر… فيها وعد… فيها تاريخ

هذه هي القيادة التي تحتاجها الأمم:
قيادة تؤمن بالمستقبل حتى في زمن الانحسار. قيادة لا تبيع جوهرها مقابل النجاة الآنية. قيادة تفهم أن المجد لا يُقاس بما تملكه اليوم، بل بما تبقى عليه حين لا تملك شيئًا.

القيادة في أعمق معانيها ليست فن التوجيه فقط، بل فن الثبات… هي أن تعرف أنك في عين الزوبعة، وأن العالم يراقب وقفتك لا كلماتك.
هي ألا تتنازل عن أصل الشجرة، حتى لو تساقطت الأوراق. هي أن تظلّ تمثل شيئًا أكبر منك… تمامًا كما ظلت الشجرة تمثل الحياة، حتى في مواتها الظاهري. حين غادرنا المكان، نظرتُ خلفي نحوها. كانت تقف هناك بصمت، كما لو أنها تعلم ما دار بيننا. قلت في قلبي: “اللهم اجعلنا من أولئك الذين إذا جفّت فروعهم، ظلّت جذورهم حيّة، وأسماؤهم تُقال: شجرة.” قد نمرّ في حياتنا بمواسم من الانكسار،
لكن العبرة… ألا نصبح “أخشابًا متناثرة”، بل أن نظلّ كما نُحبّ أن نُذكر: شجرًا واقفًا في حضرة القيم، ولو بلا أوراق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top