|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

في مساء غرة ربيع الأول، ووسط خيوط الفجر الرقيقة التي تتسلل بين أسوار الكويت مرورًا بالدوحة، حملت روحي وأمتعتَي على جناح السفر، متوجّهًا إلى زنجبار، حيث تنتظرني رحلة تختلف عن كل الرحلات السابقة. ليست مجرد تنقّل جغرافي بين نقطتين على الخريطة، بل هي رحلة قلبية قبل أن تكون جسدية، رحلة روح قبل أن تكون عملًا، رحلة تُسجّل بالوعي قبل أن تُوثّق بالصور. كل خطوة فيها كانت إشراقة جديدة على معنى الحياة، على قيمة الإنسان، وعلى حضارة تتشكل في كل ابتسامة تُقدّم، وكل يد تُمد بالعطاء.
رحلة كهذه لا تبدأ إلا بالنية الصافية، بالهدوء الداخلي الذي يجعل كل فعلٍ خيرٍ نورًا يضيء الدرب. غرة ربيع الأول لم تكن اختيارًا عشوائيًا، بل كانت تذكيرًا بأن كل انطلاقة جديدة تحمل في طياتها إمكانات التجدد، وأن الرسالة التي جاء بها الحبيب ﷺ ما زالت تُلهم القلوب على مر العصور: الرحمة، العطاء، الإحسان، والوفاء بالوعد للإنسان أينما كان. ومع كل خفقة قلب، كان شعور الامتنان يزداد لأنني لم أسافر وحدي، بل كنت محاطًا بالرفقة الطيبة، بروح الأصدقاء الذين يجعلون الطريق أكثر دفئًا، والرحلة أكثر معنى.
حين وطأت قدماي أرض زنجبار، شعرت بأن التاريخ والحاضر يلتقيان في لحظة واحدة. الجزيرة التي تزخر باللون الأزرق للشواطئ، والبياض للبيوت، والخضرة للمزارع، ليست مجرد وجهة سياحية، بل هي مختبر حي للإنسانية، حيث تتقاطع الحضارات، وتلتقي القلوب دون حواجز. هناك، في جامعة زنجبار، التقيت بالعقول الشابة التي تبحث عن المعرفة، والأيادي التي تتطلع لبناء مستقبل أفضل، والأرواح التي تحمل في قلبها فضائل الإنسانية نفسها التي كان النبي ﷺ يُعلّمنا إياها.
في كل لقاء، وفي كل اجتماع ، وفي كل حركة، شعرت أن الحضارة ليست محصورة في المباني أو الكتب وحدها، بل في الروح التي تتبادل المعرفة، وفي العطاء الذي لا يطلب مقابلًا، وفي الصدق الذي يختزل كل لغة كلام. وقد ذكر ابن خلدون في مقدمته أن “التمدن الحقيقي يبدأ من الإنسان قبل المكان”، وهنا كان الدليل أمامي حيًا في وجوه الطلاب والأساتذة، وفي كل مبادرة إنسانية صغيرة كانت تتحول إلى أثر كبير.
أما خارج أسوار الجامعة، فكانت دروسًا في الصبر والجمال. سوق زنجبار العتيق، بألوانه وروائحه ونغماته، لم يكن مجرد مكان لشراء وبيع السلع، بل صفحة مفتوحة من تاريخ البشرية، من تجارة كانت تربط إفريقيا بآسيا، ومن ثقافات اجتمعت لتصنع فسيفساء فريدة. كل شارع، وكل ركن، وكل وجه كان يحكي قصة حضارة طويلة لم تندثر، بل صمدت لتتحدث إلينا اليوم بصوت هادئ، عن وحدة الإنسان، وعن قيمة التواصل والتفاهم بين الشعوب.وفي تلك اللحظات، أدركت أن السفر لا يقتصر على الانتقال بين المدن، بل هو رحلة داخلية إلى الذات، إلى المعنى، وإلى القدرة على التقدير والامتنان. كل قبلة شمس، وكل نسمة بحر، وكل ابتسامة طفل أو شيخ، كانت تهمس في أذني: “تعلّم، احتسب، وأضف خيرًا في هذه الأرض، فلك فيه أجر عند الله.” وقد ذكّرني هذا بقول الإمام الغزالي: “الأجر على قدر النية والعمل معًا”، فكل لحظة في زنجبار كانت فرصة للصلاح والوفاء بالنية.
الرحلة أيضًا كانت فرصة للتأمل في قوة الرفقة الطيبة، في الرفقة التي تجعل السفر أكثر دفئًا، والعمل أكثر سلاسة، والقلوب أكثر ارتياحًا. فالرفقة ليست مجرد صحبة في الطريق، بل شراكة في الفكر والروح والإحساس، تمنح القوة عند التعب، وتخفف الحمل عند المشقة، وتضاعف الفرح عند النجاح. لقد أدركت أن الرحلة الخيرية لا تكتمل إلا بوجود تلك الروح التي تُضفي على العمل قيمة إضافية، وتجعل لكل جهد أثرًا مستدامًا. في كل يوم، كنت أرى تأثير عملنا الإنساني على الأطفال، وعلى الأسر، وعلى المجتمعات الصغيرة. كان بناء فصل دراسي جديد في أحد المدارس، أو تنظيم نشاط تعليمي، أو توزيع مستلزمات صحية، ليس مجرد فعل، بل رسالة: رسالة حب وإنسانية، رسالة صبر وإيمان، رسالة تربط بين الجزيرة وبين كل قلب يستمع إليها من بعيد. وقد استعرت كلمات نجيب محفوظ حين قال: “الإنسان يظل الإنسان مهما تغيّرت الأماكن”، وهذا ما شهدته هنا، فكل إنسان هنا يحمل نفس القيم، نفس الطموحات، نفس الرغبة في حياة أفضل، رغم كل الظروف.
غرة ربيع الأول “المولد النبوي الشريف” الذي حُدّد له زمن الرحلة، كان حاضرًا في كل خطوة، في كل لقاء، في كل كلمة. كان تذكيرًا بأن الرحمة لا تقف عند حد، وأن العمل الصالح يمتد أثره إلى أبعد الحدود، وأن كل سفر يحمل أبعادًا روحية قبل أن يكون جسدية. لقد شعرت أن كل فعل خير، وكل ابتسامة صادقة، وكل مبادرة صغيرة، كانت تجسيدًا حيًا لرسالة النبي ﷺ: أن تكون رحيمًا، أن تكون متواضعًا، وأن تجعل الخير متاحًا لكل محتاج، بلا تمييز. ومع كل مغيب شمس، ومع كل نسيم ليلي، كنت أتأمل في قيمة السفر، في قيمة الرحلة، وفي قيمة العمل الذي نقوم به، وكيف يمكن لرحلة واحدة أن تحوّل حياة، وأن تصنع أثرًا يتجاوز حدود المكان والزمان. لقد شعرت أن الحضارة الحقيقية ليست في العمران وحده، ولا في الأموال، بل في القدرة على إحداث فرق في حياة الآخرين، وفي توجيه كل طاقة إيجابية نحو الخير المستمر.
رحلتي إلى زنجبار لم تكن مجرد انتقال بين نقطتين على الكرة الأرضية، بل كانت سلسلة من اللحظات التي حملت المعنى، والروح، والإنسانية،، والتجربة الإنسانية الكاملة. لقد تعلمت أن السفر ليس هروبًا من الواقع، بل مواجهة للحياة بأعمق قيمها، وأن كل مكان نمر به يمكن أن يكون مدرسة تعلمنا كيف نكون أفضل، وكيف نترك أثرًا جميلًا، وكيف نحقق رسالة نبينا ﷺ في زمننا الحديث. وعند مغادرة الجزيرة، ومع خيوط الفجر تعانق الأفق، شعرت أنني أحمل معي أكثر من الحقائب والأمتعة، كنت أحمل تجارب، قصص، مشاعر، وحضارة تُوثّق في القلب قبل العين، وكانت الرفقة الطيبة جزءًا من هذا الإرث الثمين. شعرت أن هذه الرحلة ستظل خالدة في ذهني وقلبي، وأن كل لحظة فيها كانت دعوة للتفكر، للتأمل، وللاحتساب، وأن العمل الخيري والإنساني يمكن أن يكون رسالة حية للعالم كله، رسالة تُظهر قوة الإنسان حين يقترن الإيمان بالعمل، وحين يجتمع القلب مع العقل والنية الصادقة.
زنجبار، بجمالها الطبيعي، وتاريخها العريق، وقلوب أهلها الطيبة، لم تكن مجرد وجهة، بل كانت درسًا حيًا في الإنسانية، في الحب، في العطاء، في الصبر، وفي معنى الرحلة الحقيقية. رحلة تعلمنا أن كل خطوة فيها لها قيمة، وكل لحظة فيها لها مغزى، وكل عمل فيها يمكن أن يكون شهادة حية على قدرة الإنسان على التغيير، على العطاء، وعلى الإيمان بما يفعل.