خاتم من خبز

Getting your Trinity Audio player ready...

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في سجل التاريخ الطويل، ثمة لحظات تصوغ ذاتها بدموع الأرواح لا بحبر الأقلام، ومواقف تختصر الإنسانية كلها في رمز صغير يلمع بأكثر مما تلمع ألماسات القصور. ومن بين هذه اللحظات ما رواه قلم صادق عن الصحفي محمد سلامة، الذي ودّع الحياة وهو على موعد مع زفافه، قبل أن يكتمل الحلم، وقبل أن تكتمل الحكاية.

التقى محمد بخطيبته هلا عصفور في الميدان، وكانا يعيشان زمنًا ضيّقًا بالحصار، يختصر الأماني إلى أبسط صورها، ويعيد تعريف القيم كما لم يُعرف لها معنى من قبل. لم يكن هناك مجال للترف، ولا لبذخ الاحتفالات، فكانت أول هدية بينهما رغيف خبز، رغيف بسيط بدا حينها كخاتم من الألماس، بل أغلى. ففي زمن الجوع والحصار، يصبح الخبز حياة، ومنح الحياة أسمى هدية يمكن أن يهديها عاشق لعروسه. لقد كان الخبز بينهما يمثّل المعنى كله: الحب، والوفاء، والصمود، والإيمان بأن الحياة لا تُقاس بما نملك بل بما نهب، ولا تُثمن بما نقتني بل بما نعطي. وهكذا تحوّل الرغيف إلى أيقونة، تذكّرنا بأن الإنسان، حين يُحاصر ويُجوّع، لا يفقد كرامته بل يعيد تعريفها. لكن القدر لم يمهل محمدًا ليكمل الرواية. رحل قبل أن يرى يوم عرسه، ورحل وهو يحمل أحلامًا مؤجلة، لتبقى قصته جرحًا مفتوحًا في قلب غزة، ورسالة لا تنطفئ مهما تعاقبت الحروب.

الخبز أثمن من الألماس

لو تأملنا لحظة، لوجدنا أن هذا المشهد يختصر فلسفة الحياة كلها. ما معنى أن تهدي من تحب رغيف خبز؟ إنها رسالة تقول: “أعطيك ما أملك، وما أملك هو نفسي، هو صمودي، هو قوتي على مواجهة هذا الليل الطويل.” وقد صدق جبران خليل جبران حين قال: “المحبة لا تعطي إلا ذاتها، ولا تأخذ إلا من ذاتها.” لقد منح محمد خبزه، أي جزءًا من كيانه، فكانت الهدية خاتمًا من وفاء، يسبق كل ذهب الدنيا. وعندما نعود إلى أقوال العظماء، نجد أن غاندي الذي قاوم الاستعمار بالجوع والصبر قال: “لا يوجد طعام يكفي لإشباع جشع رجل واحد، لكن هناك طعام يكفي لإشباع جوع ملايين.” في غزة، يتجاوز الخبز قيمته المادية ليصبح شعارًا للعدالة المفقودة، وللصمود الذي لا ينكسر.

بين العرس والرحيل

كم هو قاسٍ أن يتهيأ إنسان لعرس العمر، فيستقبله القدر بعرس الشهادة. ومع ذلك، فإن محمدًا لم يُهزم، بل انتقل من فرح مؤقت إلى خلود دائم. إن قصته تشبه ما كتبه القائل وهو يتأمل معنى الفناء والخلود: “إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع حتى إذا متنا في سبيلها دبّت فيها الروح وكتبت لها الحياة.”
محمد لم يمت لأنه حمل الكلمة الصادقة، ولأنه أراد أن يحيا بعزة، فكتب بدمه سطرًا لا يقدر التاريخ على محوه.

غزة.. بين الجرح والأمل

غزة لم تعد مجرد جغرافيا، بل هي امتحان إنساني للعالم بأسره. هي المكان الذي يصبح فيه الرغيف كنزًا، والنور شمعة، والحب بطولة. ومن عجيب قدرها أنها تلد كل يوم حكايات كتلك، حيث يتقدس أبسط ما في الحياة، ويُرفع إلى مقام المثل العليا. غزة تعلمنا أن الوطن ليس قطعة أرض فحسب، بل هو كرامة، وعهد، ووفاء. لقد قال أحمد شوقي: “وطني لو شُغلت بالخلد عنه، نازعتني إليه في الخلد نفسي.” ومحمد سلامة، وهو يهدي خبزه لحبيبته، لم يكن يُعطي مجرد طعام، بل كان يمنح عهدًا مع الوطن: أن نعيش أحرارًا، أو نموت واقفين.
لم تكتمل الحكاية

حين كتب صاحب التغريدة: “رحل محمد، ولم تكتمل الحكاية..” كان يرسم لنا جرحًا مفتوحًا. لكن في الحقيقة، ربما اكتملت الحكاية بأعمق مما نتصور. فالحكايات التي تنتهي مبكرًا لا تنطفئ، بل تبقى تلاحق الضمائر وتؤجج الذاكرة. محمد ترك حكاية ناقصة ظاهريًا، لكنها مكتملة رمزيًا: اكتملت لأنها أصبحت رمزًا أبديًا للوفاء ولحب الوطن.

الدور المنوط بنا

ويبقى السؤال: ماذا نصنع نحن أمام هذه القصة؟ هل نكتفي بالبكاء على مأساة لم تكتمل، أم نحمل الرسالة كما أرادها محمد ومن سبقه من الشهداء؟ إن الدور المنوط بنا لا يقتصر على التضامن العاطفي، بل يتجاوزه إلى:

  1. الوعي: أن نقرأ ونفهم أن غزة ليست قضية محلية، بل قضية إنسانية وعالمية، تختبر إنصافنا وعدلنا.
  2. الوفاء: أن نروي الحكايات ونحملها للأجيال القادمة، فلا تُمحى من الذاكرة.
  3. الدعم العملي: بكل أشكاله، من الإنفاق في سبيل الله، إلى المساندة الإعلامية، إلى العمل المؤسسي الذي يترجم الأقوال إلى أفعال.
  4. الموقف الأخلاقي: أن نصطف مع الحق، مهما تعاظمت الضغوط، ومهما حاولت قوى الباطل تشويه الصورة.
    إن الحكاية لم تكتمل بغياب محمد، لكنها تكتمل بنا نحن. تكتمل حين نُحافظ على العهد، حين نحمل رسالة الوطن، حين نجعل الخبز رمزًا للكرامة لا للذل، وحين نحول دمع الفقد إلى طاقة عمل وبناء.
    وختامًا: لقد رحل محمد، وبقي الخبز خاتمًا يلمع في ذاكرة غزة، أغلى من الألماس، وأصفى من الذهب. رحل وبقيت القصة تتحدى النسيان، لتقول لنا: اكتبوا بقيّة الحكاية، فالتاريخ لن يكتمل إلا بأفعالكم.وهنا، يقف كل واحد منا أمام مرآة ضميره، ليدرك أن السؤال لم يعد: “ماذا فعل محمد؟” فقد فعل وأعطى وأهدى حتى رحل. بل السؤال الحق هو: ماذا سنفعل نحن؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top