بين العلم والوفاء

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في عالم يزدحم بالأبحاث والمواعيد النهائية، يندر أن تصادف معلمًا يجمع بين العلم والإنسانية، بين التواضع والمصداقية، بين النصح والوفاء الصادق. تجربتي مع د علي ناصر، مشرف سابق على رسالة الماجستير التي لم أكملها معه، ومتابع لمسيرتي البحثية لاحقًا، تمثل استثناء نادرًا، درسًا حيًا في نقاء العلاقة بين الطالب ومعلمه، وخلوّ التواصل من أي منافع شخصية، وصدق النية في دعم العلم والطلاب.

كل مراسلاتنا كانت عبر تطبيق واتساب، بعيدًا عن اللقاءات المباشرة، وبيننا اختلاف في الجنسية والمسافة، ومع ذلك كانت كل رسالة نقيّة، صادقة، مليئة بالدفء والرعاية العلمية. لم يكن التواصل من أجل الشهرة أو التقدير، بل كان وفاءً لمهنة التعليم وحبًا للعلم والطلاب. لقد جعلني هذا أشعر بما قصده أفلاطون حين قال: “المعلم ليس من يملأ العقول بالمعرفة، بل من يوقظ الفضيلة في النفوس.”

بدأت القصة برسالة رسمية وبسيطة: طلبت من الأستاذ تحكيم استبانة بحث الدكتوراه، مع توثيق بياناته العلمية. جاء الرد مختصرًا، لكنه حمل دفءً استثنائيًا:“يسعدنا ويشرفنا أن نخدمك ونخدم العلم…”
هذه الكلمات لم تكن مجاملة، بل نبض قلب علمي صادق، يعكس التواضع والحرص على العلم والطلاب فوق أي اعتبار شخصي. ثم جاء العرض الأعظم، الذي لم أتوقعه: تولي عملية التحليل شخصيًا إذا لم أجد من أؤتمنه، مع شرح مفصل لاحقًا. هذا الموقف يتجاوز كل المألوف، لأنه يظهر كيف يمكن للمعلم أن يكون صادقًا في دعمه، بعيدًا عن أي مصلحة، ومنح الطالب شعورًا بالأمان العلمي والثقة بالنفس.

مع كل رسالة، حاولت أن أوازن بين الاحترام العميق والدفء الإنساني، وعبرت عن امتناني واعتزازي بخبراته. كانت الرسائل المتبادلة بيننا تمثل سيمفونية نادرة من المهنية الأكاديمية والحميمية الإنسانية، كما لو كانت الموسيقى تصدح بين السطور. اللحظة التي لن أنساها كانت حين أرسل لي الاستبيان محكمًا، مع ملاحظاته الدقيقة، مؤكّدًا أن تحكيمه صارمًا، وأن إضافته تعطي البحث قوة ومصداقية أكبر. شعرت أن هذه العلاقة تتجاوز مجرد الإشراف الأكاديمي، لتصبح درسًا حيًا في الوفاء، الصدق العلمي، وسمو الروح الإنسانية.

إن ما يدهش أكثر أن كل ذلك تم رقميًا، عبر واتساب، دون لقاء مباشر، دون أي منفعة، فقط حب للعلم ودعم الطالب. وهذا ما يجعل التجربة نادرة وثمينة، فهي درس حي في الوفاء والنقاء الأكاديمي والإنساني، ويؤكد ما قاله ابن رشد: “المرء لا يُقاس بعلمه فقط، بل بما يقدمه للآخرين من معرفة ووفاء وإخلاص.” لقد تركت لي رسائله أثرًا خالدًا، وكل سطر فيها درس في الرقة والصدق، كل كلمة منه دعوة للوفاء والامتنان، وكل ملاحظة علمية تحمل معها أمانة تعليمية لا تُقدّر بثمن. علمتني هذه التجربة أن العلم بلا إنسانية، والمعرفة بلا وفاء، كالنهر الجاف بلا ماء.

في النهاية، هذه التجربة تمثل رسالة لم يستطع أحد كتابتها من قبل، لأنها تجمع بين الأكاديمية والوفاء الإنساني في قالب واحد، وتظهر أن العلاقات الحقيقية في العلم لا تُقاس بالزمن، ولا بالمسافات، بل بالصدق والنوايا الطيبة والوفاء المطلق. وختامًا، كما قال ابن سينا: “من علّمني حرفًا فقد كنت له عبدًا مدى الحياة.” أجد نفسي ممتنًا بكل ذرة من علمه، بكل رسالة تبادلناها، وبكل نصيحة خرجت من قلبه الكبير، وأدعو الله أن يحفظه، ويبارك جهوده، ويجعلها في ميزان حسناته، وأن يجعلني أستحق نصف ما منحني من علم ووفاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top