ميلاد النور وصمود غزة

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

للاستماع إلى النسخة الصوتية من هذا المقال

” حين يلتقي الماضي الذي صنع إنسانية بالحاضر الذي يختبر أمانة الأمة”

الميلاد والنور

في فجرٍ كانت الأرض فيه غارقة في ظلام الجاهلية، وسماء العرب مثقلة بأصنام الوهم وظلم الطغاة، وُلد محمد ﷺ. لم يكن ميلاده حدثًا عاديًا في بيت من بيوت مكة، بل كان إعلانًا ربانيًا بأن الظلام لن يستمر إلى الأبد. وكأن العالم كله كان يتهيأ لذلك النور، لتلك الصرخة الأولى التي هزّت قلوب الملائكة: قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين.

اليوم، ونحن نعيش ذكرى مولده الشريف، نستعيد ليس مجرد تاريخ، بل بداية عهد إنساني علّم البشرية معنى الرحمة والعدل والحرية. مولده لم يكن صفحة ماضية، بل بذرة متجددة، تُثمر كلما حاول الظلام أن يغلب النور.

 الحصار الذي يعيد رسم السيرة

حين ننظر إلى غزة، نرى في جراحها صورة مكة حين حُوصِر الرسول ﷺ وأصحابه في شعب أبي طالب. الجوع واحد، الحرمان واحد، الخذلان واحد. لكن كما ثبتت قلوب المؤمنين هناك، تصمد غزة اليوم. غزة لا تكتفي بالصمود، بل تعلّم العالم درسًا: أن الإرادة أقوى من الدبابات، وأن الدم إذا اختلط بالحق صار وقودًا للتاريخ. قال نيلسون مانديلا: ” لقد تعلمت أن الشجاعة ليست غياب الخوف، بل الانتصار عليه.” وغزة اليوم لا تخاف، بل تنتصر على الخوف كل صباح، وتزرع في أطفالها معنى الحياة رغم أنف الموت.

 المولد رسالة عمل لا طقس احتفال

الاحتفال بالمولد النبوي ليس تعليق زينة ولا ترديد أناشيد فقط. إنما هو إحياء لرسالة تقول: كونوا رحماء بالضعفاء، أنصفوا المظلومين، لا تركنوا للظالمين. النبي ﷺ حين وُلد لم يكن في قصر، بل في بيت متواضع، ليقول لنا: الكرامة ليست في الحجر، بل في القيم. وحين بعث، لم يكن معه سلاح، بل كلمة صدق، لتقول للأجيال: إن الحق وحده يكفي إن صدقت به القلوب. فهل يليق بنا أن نحتفل بمولده، بينما غزة تبكي وأطفالها يُقتلون جوعًا وقصفًا؟ هل يليق أن نرفع المدائح في المساجد، بينما نغضّ الطرف عن مساجد تُهدم فوق رؤوس أصحابها في غزة؟ الحب الحقيقي للنبي ﷺ اليوم هو نصرة غزة، والوقوف في صف المظلوم، كما وقف هو في وجه قريش وحلفائها.

 المرآة القاسية

المولد النبوي جمع الأمة على كلمة سواء. واليوم، غزة تختبر الأمة: هل ما زلنا أمة محمد ﷺ فعلًا؟ أم أننا مجرد شعوب تحتفل بالشعارات وتترك دماء الأبرياء تسيل بلا حراك؟ قال الإمام الغزالي: “الدين نصيحة، ومن لم يغضب لغضب الله، ولم يحزن لمصاب الأمة، فليس له قلب حي.” وغزة تضعنا أمام المرآة، تقول لنا: إن كنتم صادقين في محبتكم لرسولكم، فأرونا ذلك في الميدان، لا في المهرجانات.

 من ظلام إلى فجر

حين نقرأ السيرة، نرى أن مولد النبي ﷺ جاء بعد قرون من الظلم والجهل. ومع ذلك، في ظرف سنوات قليلة، تحوّل ذلك الطفل اليتيم إلى رسول للعالمين. لم يكن معه مال ولا قوة، لكن كان معه وعد الله. وغزة اليوم تذكّرنا باللحظة نفسها: أن الليل مهما طال، لا بد أن يلد فجرًا. قد يطول الحصار، وقد يشتد الألم، لكن في رحم الجراح يُولد النصر. وكما وُلد محمد ﷺ ليعيد للإنسانية كرامتها، ستُولد من صمود غزة صحوة جديدة تعيد للأمة روحها. كما قال مالكوم إكس: “لا يمكنك فصل السلام عن الحرية، فلا أحد يستطيع أن ينعم بالسلام وهو محروم من حريته.”وغزة اليوم تنزف لتقول لنا: لا سلام بلا حرية، ولا حرية بلا عدل.

 دموع ودماء وكرامة

طفلة تبحث عن أمها تحت الركام، ترفع يدها الصغيرة إلى السماء: “يا الله”. أمّ تحتضن جسد ابنها الشهيد وتبتسم: “الحمد لله”. شيخ يجلس على كرسي مكسور أمام بيت تهدم: “بيتنا ذهب، لكن عزتنا باقية”. هذه ليست لقطات عابرة، بل تجسيد للمعنى الذي وُلد به محمد ﷺ: أن الكرامة لا تُقاس بالمادة، بل بالإيمان والصبر.

 الواجب والمسؤولية

المولد يقول: “بلغوا عني ولو آية.” وغزة تقول: “بلغوا صوتنا ولو دمعة.” فما هو واجبنا اليوم؟

  • الإنفاق في سبيل الله: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾.
  • الدعم الإعلامي: أن نكون شهودًا على الحقيقة لا شهود زور.
  • الموقف السياسي: أن نضغط حيث نستطيع، بالكلمة والموقف.
  • الموقف الأخلاقي: ألا نُبرّر ظلمًا، ولا نصمت عن جريمة.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟”وغزة اليوم تسألنا: متى تُعيدون لنا الحرية التي وُلدنا بها؟

مولدان لا ينفصلان

كما كان مولد النبي ﷺ بدايةً لتحرير البشرية من أصنام الجاهلية، فإن غزة اليوم بداية لتحرير الأمة من أصنام العجز والصمت والخوف. مولد النبي ﷺ قال: لن يُطفأ النور. وغزة تقول: لن يُقهر الصمود. وفي لحظة تلاقي المعنيين، ندرك أن المولد ليس ماضيًا فقط، وغزة ليست جرحًا فقط، بل كلاهما مستقبل يتشكل بين أيدينا.

عهد على العهد

المولد النبوي عهدٌ مع الله أن نكون على خطى نبيه ﷺ. وغزة اليوم عهد جديد يُختبر فيه صدقنا.
إننا أمام سؤال لن يُمحى من ذاكرة التاريخ: هل كنا على قدر المسؤولية؟ فإن أجبنا بنعم، كنا أمة محمد حقًا. وإن تهرّبنا، كنا أمة أسماء بلا مسميات. غزة تنزف لتوقظنا. والمولد يتجدد ليذكرنا. وبين الدم والنور، يكتب التاريخ: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top