|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

دخل الأطفال الخمسة على البيت بخطوات مترددة، عيونهم تتلألأ بالفضول، وأيديهم تحمل أكواز الذرة التي جمعوها من حقل لم يعرفوا صاحبه. كانت الشمس قد بدأت في الانحدار، تُرخي ضوءها الذهبي على الأرض، فتبدو الأكواز كحبات من ذهب ناعم، تحمل وعود البراءة والدهشة. تقدّم الطفل الأصغر “محمود”، لم يتجاوز الثامنة، وهو يرفع يديه نحو جدة شابة تنظر إليهم بابتسامة هادئة، لم تطلها السنون بعدُ، ولم تخفف من رقتها برهة، بل كانت مليئة بالحياة والحكمة اللطيفة، وعيونها تشع حرارة قلب يعرف معنى المسؤولية والحنان.
قال محمود الطفل بصوت خجول، يمزج بين الفخر والقلق: “جدتي… لقد جمعنا هذه الذرة، ولا نعرف أن كانت لنا أم لأحد آخر… هل نأكلها؟” جلست الجدة على حافة الطاولة، ووضعت يديها على ركبتيها، تراقب الأطفال، وتستشعر نبض الحياة في براءتهم. لم تُجب مباشرة، بل ابتسمت، وابتسامتها كانت كإشارة خفية بين الزمن والحكمة. قالت بصوت دافئ: “يا أحبائي، كل ما تقع عليه أيديكم ليس بالضرورة لكم. إن الحلال هو الطريق الذي يجعل القلب هادئًا، والعمر مطمئنًا. إن أردتم أن تأكلوا، يجب أن يكون ما بين أيديكم طاهرًا، لا يترك أثر الخوف أو الذنب في قلبكم.”
توقف الأطفال للحظة، وبدأت أصابعهم الصغيرة تلعب بأكواز الذرة، كأنها أحجية تحتاج لفك أسرارها. فتمتم أحدهم: “لكن يا جدتي، نحن تعبنا في جمعها، أليست مكافأتنا؟” ضحكت الجدة، ضحكة تحمل حرارة القلب وهدوء العقل، وقالت: “نعم، يا صغيري، التعب يُكافأ، لكن ليس على حساب ما لا نملك. الرزق الحقيقي يأتي من الجهد الصادق، ومن الطاعة لله، ومن احترام الآخرين. إن أخذتم هذه الذرة دون إذن صاحبها، فستدخلون إلى بيوتكم، لكنها لن تدخل قلوبكم بالبركة.” تذكرت كلمات أحد الحكماء، حين قال: “ليس الغنى ما امتلكت، بل ما لم يملكك.” وهنا، أمام الأطفال، تتحول هذه الكلمات إلى درس حيّ، إلى مرشد صغير يزرع فيهم الوعي منذ نعومة أظافرهم.
اقتربت الجدة من الأطفال، وأخذت كل واحد منهم بيده، واصطحبتهم إلى الحقل. كانت الأرض تتمايل تحت أشعة الشمس، وكأنها تشهد الدرس الكبير الذي يُعلّمه هؤلاء الصغار: أن العالم ليس مجرد ممتلكات، بل مسؤوليات، وأن كل حبة ذرة قد تحمل وزن ضمير. قالت الجدة وهي تشير إلى الحقول المفتوحة: “انظروا، هذه الأرض ليست لنا، ومن زرعها وتعب فيها له الحق فيما فيها. إن أردتم أن تحصدوا، فلتطلبوا الإذن، أو لتعملوا في أرضكم الخاصة. تعالوا، سأعلمكم كيف تصبحون أصحاب رزق مبارك، ليس بالكمية، بل بالنقاء.”
وقف الأطفال مذهولين، لم يتوقعوا أن تكون البراءة وحدها غير كافية، وأن الفضيلة تحتاج للفهم والعمل. نظروا إلى بعضهم، والابتسامات تتبادل بين الخجل والفضول، وبين الرغبة في أن يكونوا أصحاب القلوب الطاهرة. جلست الجدة معهم على الأرض، ووضعت أكواز الذرة أمامهم، ثم قالت: “يا أحبائي، الحلال هو هذا الضوء الذي تلمسونه. لا شيء يزين الحياة مثل الطهارة في العمل، والصدق في النية، والبر في المعاملة. تذكروا أن الغنى ليس ما في اليد، بل ما في القلب”.
أخذ الأطفال يستمعون بتمعن، وهم يشعرون لأول مرة أن الطعام والرزق ليس مجرد لقمة تُسقط في الفم، بل تجربة أخلاقية كاملة، رحلة داخلية تعلمهم معنى المسؤولية والعدل. وكم كانوا سعداء حين علموا أنهم يستطيعون أن يجمعوا الذرة، ولكن من أرضٍ أُذن لهم فيها، أو من مالٍ اشتروا به، فتكون البركة حاضرة والفرح نقيّاً. في ذلك المساء، بعد أن عادوا إلى البيت، جلست الجدة معهم على الطاولة، وأعدّت لهم وجبة بسيطة من الخبز والجبن، قالت: “كلوا يا أحبائي، هذه لقمة من حلال، وقلوبكم مطمئنة، فلا شيء يعادل هذه الطمأنينة.” ابتسم الأطفال، وعادوا إلى بيوتهم، وقلوبهم مليئة بفهم جديد. لم يعد الطعام مجرد حاجة، بل درس مستمر: أن البركة الحقيقية لا تدخل إلا حيث يسكن النقاء، وأن اليد الطاهرة، حتى لو كانت صغيرة، يمكنها أن تصنع فرقاً كبيراً في الحياة.
وهنا تكمن الحكمة التي أرادت الجدة أن تزرعها: أن الأطفال الصغار يمكن أن يكونوا سفراء للقيم، وأن اللحظات الصغيرة في حياة يومية بسيطة تحمل رسائل كونية. فالذرة التي جمعوها كانت مجرد رمز، والدرس كان أكبر من كل الحقول في العالم. مرت السنوات، وكبر الأطفال، وكل واحد منهم حمل تلك العبارة في قلبه: “تعال أجيبها لك من حلال.” صارت ميثاقاً للحياة، يربطهم بالضمير قبل المال، بالحب قبل الحاجة، بالمسؤولية قبل الرغبة. وأصبحوا يتذكرون، في كل موقف صعب، أن الحلال نور، وأن الحرام نار، وأن السعادة الحقيقية لا تأتي إلا من طريق ضيق، لكنه مضيء. وها هي الكلمات البسيطة التي قالتها الجدة شابة يومًا ما، لم تكن مجرد تعليمات، بل صارت جسرًا يمتد عبر الزمن، يربط البراءة بالنضج، والطموح بالنقاء، والعمل بالضمير.
إنها رسالة لكل إنسان: أن الحياة الحقيقية تبدأ عندما ندرك أن كل شيء حولنا ليس مجرد ممتلكات، بل مسؤوليات، وأن كل لقمة تأكلها، وكل خطوة تخطوها، وكل عمل تقوم به، يجب أن يكون في نور الحلال وطمأنينة الضمير. وها هم الأطفال، الآن شبابًا، يتذكرون ذلك اليوم، ويضحكون على براءتهم القديمة، لكنهم يعلمون أن ما زرع في قلوبهم آنذاك أكبر من أي كنز، وأعظم من أي ثروة، وأصدق من أي وعد: أن الحلال طريق، وأن كل ما جاء من هذا الطريق مبارك، وأن كل ما خرج عنه، مهما بدا صغيرًا، يحمل وزنًا من القلق والظلام.
إنها لحظة خالدة، مشهد بسيط في بيت صغير، لكنه أكبر من أي تاريخ: خمسة أطفال، وامرأة شابة، وأكواز ذرة، ودرس خالد، يهمس للعالم أجمع: تعال أجيبها لك من حلال. وهكذا، يبقى العنوان صادقًا، حيًّا، عالميًا، يحمل بين كلماته حبًا وحنانًا، براءة الطفولة، وحكمة الشباب، وقوة القيم التي لا تتغير.