رحلة بين الفكر والرؤية

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في صمت مكتب صغير يطل على المدينة القديمة، جلس القائد إسماعيل، عيناه متقدتان بالتركيز، يراجع تقارير الأداء، ويستمع لصوت الريح وهي تمر بين أشجار البستان خلف نافذته. كان يعلم أن القيادة ليست مجرد أوامر وتنظيم، بل فن اختيار ما يكفي وما هو أولوي، وفهم ما تحتاجه المؤسسة لتستمر وتتقدم.

هنا، بدأت فرضية العين تأخذ معناها العميق: العين ليست مجرد عضو جسدي، بل رمزية للرؤية الثاقبة والقدرة على التمييز بين الضروري والزائد، بين ما يعزز الإنجاز وما يشتت الجهد. كما قال ابن خلدون: “رؤية القائد للعناصر الدقيقة في مجريات الأمور هي ما يميز الناجح عن الفاشل”.

مواجهة التحديات

قبل أيام، كان إسماعيل يقود فريقه في زيارة ميدانية لمشروع ضخم يضم عشرات الفرق المختلفة. واجه الفريق تحديات لم تكن في الحسبان: تأخر في التوريدات، ضعف في التنسيق بين الأقسام، وانقسامات في الأولويات بين الفرق الإدارية والتنفيذية. لكن إسماعيل لم ينهر أحدًا، ولم يندفع باتجاه القرارات الانفعالية. وقف متأملًا، عيناه تتفحص كل تفاصيل المشهد، من الموظفين إلى العمليات الميدانية، ثم قال بصوت هادئ: لن نركز على كل شيء… سنختار الأولويات. ما يكفي الآن ليس كل ما نريد، بل ما يحتاجه المشروع لتحقيق الأثر الأكبر. هنا، تحولت الفلسفة إلى ممارسة: الكفاية ليست نقصًا، بل تقدير مدروس لما يكفي لتحقيق الهدف دون إضاعة الوقت والطاقة على التفاصيل الثانوية. كما أشار مالك بن نبي: “النجاح الحقيقي للمجتمعات والمؤسسات يكمن في قدرتها على التمييز بين المهم وغير المهم، والقدرة على تخصيص الموارد بشكل فعّال”.

التحليل الاستراتيجي المعمق

القيادة الرشيدة تتطلب خطوات منهجية:
1. تحديد الأولويات بدقة: ما هي القرارات التي ستصنع الفرق؟ وما هي الأنشطة التي يمكن تأجيلها أو تبسيطها؟
2. تقدير الكفاية: معرفة متى يكون الجهد كافيًا لتحقيق الهدف، دون إفراط أو تفريط.
3. المراقبة الدقيقة (فرضية العين): القدرة على ملاحظة كل تفصيل صغير، ليس لمجرد التحقق، بل لفهم الروابط بين العناصر المختلفة واتخاذ القرارات الصحيحة.

تطبيق هذه الخطوات على أرض الواقع كشف قوة القيادة المبنية على الملاحظة والفهم العميق، وكيف يمكن لتحليل كل مرحلة أن يمنع تكرار الأخطاء، ويحقق أكبر أثر بأقل جهد.

تجارب واقعية ملهمة

في أحد المشاريع السابقة، واجه الفريق تحديًا في إدارة سلسلة توريد دولية، حيث كانت هناك تأخيرات متكررة ومشكلات في التواصل مع الموردين. بدلاً من فرض إجراءات صارمة أو توزيع اللوم، استخدم القائد فرضية العين: جلس مع كل فريق، لاحظ التحديات اليومية، وفهم أسباب التأخير من جذورها.ثم وضع خطة أولويات دقيقة، ركز فيها على العناصر الحيوية التي تؤثر على الأداء الكلي، مثل:
• تنسيق التواصل بين الموردين والمستودعات.
• جدولة النقل بحيث تقلل أي تأخير محتمل.
• تدريب الفرق على اتخاذ قرارات سريعة عند حدوث أي خلل.

النتيجة؟ تحولت المشكلة إلى فرصة لتطوير الكفاءات، وتعزيز روح الفريق، وتحقيق نتائج ملموسة تجاوزت التوقعات. هنا ظهر بوضوح ما يقوله بيتر دراكر: “القيادة ليست في إعطاء الأوامر، بل في تمكين الآخرين من التصرف بحكمة وفاعلية”.

العين والروح

العين هنا ليست مجرد أداة مادية، بل رمز للحكمة الداخلية والقدرة على التمييز بين الأساسيات والثانويات. كما قال قائل: “العقل لا يكفي وحده، والعين وحدها لا تكفي، بل الانسجام بينهما يصنع القائد الحكيم”. إسماعيل ، أثناء مراقبته للمشهد الميداني، شعر أن كل قرار صغير يتخذه له تأثير واسع على الروح العامة للمؤسسة، وعلى طريقة تعامل الأفراد مع المسؤولية والابتكار. كل خطوة محسوبة، كل كلمة محسوبة، وكل قرار مبني على فهم عميق لما يكفي لتحقيق الهدف دون إهدار موارد أو طاقة.

حوارات رمزية مع العظماء

جلس إسماعيل في إحدى الليالي، يتأمل التحديات السابقة، ويتذكر ما قرأه عن جاك ويلش: “القائد العظيم يعرف أين يركز جهوده، وما يكفي لتحقيق النتائج دون إسراف أو إفراط”. فكر في كلمات غسان كنفاني عن القدرة على الصبر والمثابرة: “ليس كل معركة يجب أن تُخاض، ولا كل معركة تُخسر، بل المهم معرفة متى تتقدم ومتى تصبر”. ثم تذكر حديث الغزالي عن الصبر والعدالة: “القائد الحق يصبر على ضغوط الأمور، ويوازن بين حاجات الأفراد ونجاح المؤسسة، فلا يظلم أحدًا، ولا يهمل أي هدف مهم”.

القيادة الرشيدة بين النظرية والتطبيق

إن القيادة الرشيدة، كما يوضح هذا المقال، ليست مجرد إدارة أعمال، بل رحلة متكاملة بين الفلسفة، الممارسة، والتحليل العميق. فرضية العين تمثل القدرة على الرؤية الثاقبة، الملاحظة الدقيقة، واتخاذ القرارات الصائبة. الكفاية تعني تقدير الجهد والموارد بما يحقق الهدف دون إفراط أو تفريط. الأولويات تحدد مسار العمل لضمان أعلى أثر بأقل تكلفة زمنية ومواردية. وفي النهاية، يظهر أن القيادة الرشيدة تتطلب:
• عين ثاقبة لرؤية التفاصيل المهمة.
• فهم الكفاية لتقدير الموارد والجهد المطلوب.
• حسن تحديد الأولويات لضمان النجاح المؤسسي المستدام.
• استلهام العظماء من الفكر الإداري والفلسفي والتاريخي لتعزيز القرارات اليومية.

وبهذا، تصبح القيادة ليست مجرد منصب أو وظيفة، بل فن وعلم وخلق، يدمج بين العقل والروح، بين النظرية والتطبيق، بين التجربة والفلسفة، ليكون القائد قادرًا على صنع الفارق في أي مؤسسة أو مجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top