|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

في صباحٍ بارد من أيام القدس، كان آدم، ذلك الطفل الذي لم يتجاوز العاشرة بعد، يمسك بيديه الصغيرة بجرأة لم تُخلق له بعد، ويقرع باب مركز الشرطة، بحثًا عن أمه المعتقلة. كل طرق المدينة التي عرفها في حياته القصيرة تحولت إلى متاهة من الحزن والخوف، ولكن قلبه، رغم صغر سنه، كان مثقلاً بالشجاعة التي لا يعرفها سوى من يفقدون البراءة قبل أوانها.
آدم لم يعرف طفولةً عادية. قبل أن يتعلم القراءة، تعلم معنى الخوف، قبل أن يعرف اللعب مع أصدقائه، عرف معنى الانفصال. كان يرى الجدران العالية والأسلاك الشائكة ليست مجرد حواجز مادية، بل جدران تمثل الزمن الذي يسرق براءته، والأسلاك الشائكة التي تمنع أمه من حضنه. وقف أمام باب مركز الشرطة، ورفع يده الصغير، وطرق عليه بثقل قلبه الذي يحمل أكثر مما يحتمله جسد طفل. أمي… أريد أمي… الصوت خرج هادئًا، مترددًا، لكنه كان كافيًا ليهز جدران المكان، وكأن البراءة نفسها تصرخ.
المسؤول في الداخل نظر إلى الطفل بدهشة، لم يصدق أن هذا الصغير يجرؤ على الوقوف بمواجهة ما يراه الكبار مخيفًا. لكن آدم لم يكن يعلم الخوف بعد أن أصبح جزءًا من حياته اليومية. جلس الطفل على الرصيف، ينتظر، ورأى في الأفق وجوه الناس تمر بسرعة، بعضهم يتظاهر بعدم الرؤية، وبعضهم يلتفت بقلوب مثقلة بالهم. كان يشعر بالوحدة والضياع، ولكنه لم يشعر بالانهزام. كانت في عينيه قوة لم يولدها الزمن، بل الوجع الذي يجبر الأطفال على النضوج قبل أوانهم. تأمل آدم في المدينة، وأحس أن كل زاوية تحمل قصة عن الألم والمقاومة. تذكر كلمات غسان كنفاني الذي كتب: “الطفولة ليست سنوات، بل هي جدار ينهار أمام الصراعات”، ووجد فيها صدى ما يعيش. شعر أن صوته الصغير هو صدى آلاف الأصوات المطموسة، وأن كل خطوة يخطوها نحو الباب هي جزء من نضال أكبر، جزء من حكاية فلسطين التي تتكرر في كل طفل يُسرق منه حلمه.
جلس آدم بين الناس، وبدأ يتحدث مع نفسه بصوت خافت: أمي… أريدك… لماذا كل شيء حولي خائف؟ لماذا الكبار لا يفهمون أننا هنا نتعلم الألم قبل أن نتعلم الحياة؟ ثم ظهر رجل مسن، جالس على مقعد قريب، يراقبه بعينين مملوءتين بالحزن والحكمة. قال له بصوت هادئ: “يا بني، الأطفال هنا يكبرون قبل أوانهم، لأن الحياة لا تمنحهم خيار الانتظار. لكن تذكر، ما يجعلك قويًا ليس حجم جسدك، بل قوة قلبك ونقاء روحك.أجاب آدم بنبرة صادقة رغم صغر سنه: “أنا فقط أريد أمي… أريد أن أعرف أنها بخير…” ابتسم الرجل بحزن، وقال:
“البراءة، يا صغيري، هي كنز. وحتى لو سرقها منك الزمن، سيبقى قلبك يعرف كيف يحب، ويعرف كيف يصبر، ويعرف كيف يقف أمام الظلم. ابن القيم قال: “الصبر طريق القلب إلى الطمأنينة”، والغزالي أضاف: “البراءة في القلب تحفظ الإنسان من الانكسار الكامل”، ومالك بن دينار كرر: “حتى أصغر النفوس قادرة على حمل الأمل”.
توقف آدم قليلاً، وأحس أن الكلمات كانت شمسًا صغيرة تشرق في قلبه، تمنحه دفءً وسط البرد القارس الذي يحيط بالمدينة. مرت ساعات طويلة، والأطفال حوله يلعبون لعبًا باهتًا، ولكن آدم لم يستطع اللعب. لم يعد يعرف اللعب بعد أن أصبح صديقه الخوف، ومعلمه الألم، ورفيقه الصمت. لكنه كان يسمع في داخله صوت أمه، صوت يحمل معه الأمان والحنان الذي يحتاجه كل طفل، ووجد أن هذا الصوت وحده قادر على حمايته من الانكسار. اقتربت فتاة صغيرة منه، عيونها حزينة، وقالت بصوت خافت:”أنا أيضًا أبحث عن أمي…” ابتسم آدم لها وقال: “سنجدهم يومًا ما… حتى لو كان العالم كله لا يسمعنا، سنستمر في البحث… لأن القلب لا ينسى…”
وهنا، فهم الشاب أن الرحلة ليست مجرد البحث عن الأمهات المعتقلات، بل رحلة البحث عن الأمل، عن العدالة، عن الحياة التي تُسرق من الأطفال قبل أن يعرفوا طعمها. أخذ آدم نفسًا عميقًا، وأحس أن كل خطوة يخطوها هي رسالة لكل طفل يعيش نفس الألم: أن يكون صادقًا في قلبه، شجاعًا في خطواته، وأن يعرف أن الصبر هو القوة الحقيقية. ثم عاد إلى باب مركز الشرطة، وطرق مرة أخرى، هذه المرة بروح مختلفة، بروح تحمل كل المعاني الإنسانية والصبر والبراءة المتجمدة في قلبه الصغير.
أمي… أريد أمي…
والصوت هذه المرة لم يكن مجرد صوت طفل، بل صدى كل الآلام، كل الآمال، كل الصراعات، وكل الحكايات التي لم تُروَ بعد عن الأطفال الذين يكبرون قبل أوانهم. المسؤول في الداخل شعر بشيء مختلف، ربما لأول مرة شعر بصدمة الإنسانية، بعمق الألم الذي يمكن أن يحمله طفل صغير. أدرك أن هذا الصوت ليس مجرد بكاء، بل صرخة البراءة، صرخة العدالة، صرخة كل إنسان يُسلب منه حقه في الأمان والحياة. آدم لم يدرك بعد أن هذه اللحظة ستصبح في ذاكرته مرجعًا لكل ما سيواجهه لاحقًا. فهم أن الصبر والشجاعة والبراءة هي الجسر الذي يعبر به الإنسان محن الحياة. وأن الطفل، مهما صغر جسده، يحمل في قلبه القدرة على أن يغير العالم.في النهاية، آدم لم يكن مجرد طفل يقرع باب مركز شرطة. كان رمزًا لكل طفل فقد البراءة، ولكل قلب يبحث عن العدالة، ولكل روح تصر على الأمل في عالم مظلم.