|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

بينما كانت الشمس تنسحب بهدوء خلف تلال الصحراء الذهبية، جلس الشيخ على صخرة قديمة، يراقب الأفق وكأن عينيه تخترقان المسافات، تبحث عن شيء أبعد من مجرد الجمال الطبيعي. إلى جانبه، جلس الشاب، قلبه متقلب بين الفضول والخشوع، وعقله مزدحم بالأسئلة التي لم يجد لها جوابًا في الكتب أو الأحاديث المتكررة.
مرت قافلة من بعيد، خطوات الجمال تصنع إيقاعًا طبيعيًا ينسجم مع همسات الريح بين الصخور، وصرير الحبال على السروج. لكن شيء ما في همس المسافرين جذب انتباه الشاب، صوت دعاء خافت، يعلو وينخفض بين حفيف الرمال. شعر الشاب بارتجاف في قلبه، وكأن هذه الأصوات تناديه مباشرة. اقترب بخطوات مترددة، وعيناه تتوهجان بالدهشة:يا شيخ… سمعتهم يرفعون الدعاء، شعرت بشيء غريب… كأن هناك من يسمع…
ابتسم الشيخ، تلك الابتسامة التي تحمل في طياتها سنوات من الحكمة والتجربة: أيسمع من يصلي؟ ارتبك الشاب قليلاً، مترددًا:أليس الدعاء يسمع، يا شيخ؟ أمال الشيخ رأسه، وصوته منخفض كهمس الليل بين الأشجار:يسمع من يصلي… ولكن ليس كما يظن الناس. ليس الصوت وحده الذي يصل، بل القلب، والنفس، والصدق في النية. من صلّى بإخلاص، يرتفع صوته إلى ما هو أعلى من الأذن، إلى ما هو أقرب من الروح… ومن صلّى بلا إخلاص، لا يسمع إلا صدى صوته في نفسه.
وقف الشاب صامتًا، يستوعب معنى الكلمات. كان في صمت الشيخ أكثر من ألف درس، وفي نظراته أكثر من ألف كتاب لم يُكتب بعد. تذكر حينها كلمات العظماء:
• ابن القيم الجوزية قال: “الصلاة تطهر النفس قبل أن تطهر الجسد”.
• الغزالي كتب: “الإخلاص في الدعاء هو المفتاح إلى حضور القلب في المحراب”.
• مالك بن دينار كرر: “من صلّى بقلوبنا، صلّت له السماء قبل أن تنطق الشفاه”.
القافلة كانت تتلاشى في الأفق، لكن أصوات الدعاء بقيت تتردد في ذهن الشاب، كأنها موسيقى خفية للعالم. شعر بأن كل خطوة من خطوات الإبل تحمل درسًا، وكل همسة دعاء من بين الرمال تهمس في قلبه، لا في أذنه فقط.هنا فهم معنى الصلاة لأول مرة: ليست كلمات تُقال، بل حوار مستمر بين الروح وما يسمعها من السماء، حوار يحتاج إلى إخلاص، حضور قلب، وصمت داخلي ليصغي الإنسان إلى صوته الداخلي قبل أن تصغي السماء إليه.
تذكر الشاب كلمات والده قبل سنوات: “يا بني، ليس المهم أن يسمع الناس صلاتك، بل أن تسمع أنت نفسك قبل أن تسمع السماء”. كلمات بسيطة، لكنها الآن تتضح أمامه كشعاع نور يخترق الظلام.
أمال الشيخ رأسه نحو الأفق وقال:
“الحياة مليئة بالضجيج، والناس يصرخون بالدعاء بلا حضور، بالصلاة بلا قلب، وبالنية بلا إخلاص. لا تقلق، السماء تعرف الصادق من المخادع، وتجيب القلوب قبل الأصوات، وتسمع من يرفع يديه بصدق.”ابتسم الشاب ببطء، وشعر بأن قلبه قد فتح على معنى جديد للحياة: أن الصلاة ليست مجرد فعل، بل رحلة بين القلب والسماء، بين الروح والكون، بين النية والعمل.ثم أضاف الشيخ:
“يا بني، الصلاة ليست طلب حاجات فقط، بل محاولة لفهم نفسك وفهم الكون. من عرف قلبه، عرف حاجته، ومن عرف حاجته، عرف كيف يتوجه إلى الخالق. ابن القيم قال: “الصلاة باب القرب، فكم من قريبٍ لم يدركه الناس إلا بصدق قلبه”، والغزالي أضاف: “القلب الصادق يصلّي دون أن يراه أحد، ويؤثر دون أن يشعر العالم”.
تساءل الشاب: هل يعني هذا أن الدعاء بلا إخلاص بلا فائدة؟أجاب الشيخ: “ليس بلا فائدة، لكنه كالبذرة التي تُزرع في صحراء قاحلة: قد تنبت بعد زمن طويل، وقد لا تنبت. أما الدعاء المخلص، فهو كالبذرة التي تزرع في تربة خصبة، يسقيها الإخلاص والنية الصافية، فتثمر روحًا وطمأنينة ورضًا.”
تأمل الشاب، وشعر بشيء يتغير في داخله، كما لو أن قلبه كان قفلًا قديمًا، والشيخ أعطاه المفتاح: الحضور الصادق، والنية الخالصة، والاستماع للروح قبل السماء.ثم قال الشيخ بصوت أخير، منخفض لكنه واضح:” يا بني، لا تنس أبدًا: أيسمع من يصلي؟ نعم… ولكن من يصلي بصدق، من يسمع قلبه قبل أن يسمع صوته، ومن يرفع يديه بخشوع، يسمع نفسه أولًا، فتسمع السماء بعدها.” ترك الشاب الشيخ وواصل طريقه بين الصخور والرمال، لكن كلمات الشيخ بقيت تتردد في ذهنه، كأنها موسيقى خفية للعالم: “أيسمع من يصلي؟ يسمع من قلبه حاضر، ومن روحه صادق.”
وبينما كان يسير، استرجع صورًا من حياته: طفولته في رحاب البيت العائلي، دعواته الخافتة في الظلام، تجاربه الأولى مع الصعاب، وحتى لحظات الشك واليأس. كل ذكرى أصبحت أكثر وضوحًا بعد درس الشيخ: كل صلاة لم تكن صادقة، كل دعاء لم يكن نابعًا من القلب، كان صدى لا أكثر. تأمل الشاب في الطبيعة من حوله: الريح تعانق الصخور، الشمس تلمس الرمال، والظل يلعب بين التلال. شعر بأن الكون كله يصغي للصادقين، وأن كل كائن، كل حجر، وكل شجرة يحمل رسالة: الحضور أهم من الصوت، والنية أهم من اللفظ.فهم الشاب أن الصلاة ليست مجرد علاقة بين الإنسان والله، بل نقطة التقاء بين الروح والكون، بين القلب والنور، بين الصمت والكلمة. وأن من صلّى بصدق، يرى العالم بطريقة مختلفة، يسمع الموسيقى الخفية للكون، ويشعر بالانسجام الذي لا يراه الآخرون.
وبهذه الإدراكات، شعر الشاب بطمأنينة غامرة، كما لو أن قلبه قد خضع لتجربة روحية عميقة، وأن كل خطوة، كل همسة، وكل دعاء يحمل معنى أكبر مما كان يتصور. كانت القافلة قد اختفت، لكن أثرها بقي، ليس كصوت يسمع، بل كدرس محفور في القلب: الصلاة تصنع من القلب محرابًا، ومن الروح نافذة إلى السماء.وفي النهاية، أدرك الشاب أن الحكمة التي تعلمها لن تُنسى، وأن السؤال الأبدي “أيسمع من يصلي؟” لم يعد مجرد استفسار عن الصوت والسماء، بل أصبح دعوة للوعي، حضور القلب، صدق النية، وانصات الروح لكل لحظة في الحياة.هكذا، تمر القوافل، وتتغير الوجوه، لكن الحكمة تبقى، والصلاة الصادقة تسمع من القلب قبل أن يسمعها الأذان، وتمنح النفس سلامًا لا يزول.