|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي

لم تكن الساعات التي قضيتها في زنجبار مجرد محطة عابرة في دفتر السفر، بل كانت تجربة غائرة الجذور، متشعبة الأغصان، تقف عند تخوم التاريخ وتطل على آفاق المستقبل. ثلاثة أيام حملت في طياتها أكثر مما تحمله سنوات من البحث المتقطع، لأنها جمعت بين عمق النقاش، وصدق المشاعر، وصلابة الموقف، ورهافة الإحساس.
كان في اليد أوراق وتقارير، أربعة منها على وجه الخصوص، وُلدت من رحم زيارة تخصصية لجامعة بلغت من العمر ثلاثة عقود، جامعة لم تكتف بأن تكون مؤسسة تعليمية، بل أرادت أن تكون رسالة. تلك التقارير لم تكن أرقامًا جافة، بل كانت تشخيصًا حيًا، ورفع واقع دقيقًا، يضع الإصبع على مواضع القوة كما يكشف مكامن القصور. ولعل أجمل ما فيها أنها لم تسعَ إلى التزيين، بل إلى المصارحة، فالمصارحة أول طريق العلاج، والوضوح أساس البناء.
دخلنا الاجتماعات ونحن نحمل أثقال الماضي، لا لنتبرأ منها، بل لنحوّلها إلى زاد. كان السؤال الحاضر: ما معنى أن تظل جامعة ثلاثة عقود؟ هل يكفي أن تكون أرقام خريجيها شاهدة؟ أم أن التعليم لا يُقاس إلا بما يتركه من أثر في المجتمع والإنسان؟ ومن هنا بدأ النقاش يعلو ويخفت، يتشعب ثم يعود، لكنه في كل مرة كان يزداد قوة ومتانة، لا بتطابق وجهات النظر، بل باختلافها وتكاملها. جلسنا ساعات طوال نقرأ الواقع، نعيد رسمه، نبحث في ثناياه عن ملامح خارطة طريق. لم تكن خارطة على الورق فقط، بل خارطة في الروح أولًا. فالتعليم كما قال سقراط: “ليس ملء وعاء، بل إشعال نار، ومن لم يشعل النار في قلوب طلابه لم يزرع علمًا، بل حشوًا يتناثر مع أول ريح” ومن هنا كان لزامًا أن نضع مسارًا جديدًا، يجمع بين المهنية في التشخيص، والإنسانية في الغاية.
أربع تقارير تقاطعت كأنها أربعة أنهار تصب في بحر واحد: الأول يقرأ البنية الأكاديمية، الثاني يتتبع الإدارية والتنظيمية، الثالث يقف على حدود المالية، والرابع يفتح ملف المقرات والإنشاءات، كلها اجتمعت على حقيقة واحدة: أن الجامعة بعد ثلاثة عقود تحتاج إلى تجديد رسالتها لا تغيير هويتها، وإلى مراجعة شاملة لا إنكار لما أنجزته، وإلى خطة جريئة لا تغفل عن واقعها، هنا، في قلب زنجبار، بدت النقاشات وكأنها امتداد لحركة التاريخ نفسه. هذه الجزيرة التي عرفت التقاء الحضارات وتلاقح الثقافات، كانت شاهدة من جديد على أن التعليم والحضارة لا ينفصلان، وأن المؤسسة الجامعية ليست جدرانًا ولا شهادات، بل روحًا تُبقي جذوة الأمة متقدة. لقد كان ابن خلدون محقًا حين قال: “العلوم طبيعية في العمران”، فحيثما وُجد التعليم الصحيح، وُجد العمران الراسخ.
ومع كل جولة من النقاش، كانت القلوب أكثر صفاءً، والعقول أكثر حدةً، والرؤية أكثر وضوحًا. كنا نعلم أن الطريق لن يكون مفروشًا بالورود، لكننا كنا ندرك أن وضوح التشخيص هو نصف الحل. وفي زحمة الحوار، تذكرت قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قيمة كل امرئ ما يحسن. وما أحوجنا أن نحسن التخطيط والمتابعة، لا أن نكتفي بذكر الأمجاد الماضية.
لم يكن العمل إداريًا باردًا، بل كان شبيهًا برياضة روحية، يجمع بين العقل والقلب. في النهار، نناقش الأرقام، نراجع المؤشرات، نضع الملاحظات بندًا بندًا. وفي الليل، حين نخرج إلى أزقة زنجبار ونستنشق عبير القرنفل ونسمع حكايات البحر، ندرك أن كل ورقة نكتبها اليوم ستنعكس على حياة آلاف البشر غدًا. وعندها فقط يشعر الإنسان بعظمة رسالته: أنه ليس موظفًا يؤدي دورًا، بل حامل شعلة، جزء من مسيرة أمة تريد أن تنهض.
خارطة الطريق التي ارتسمت لم تكن شعارات فضفاضة، بل خطوط عملية تبدأ من إعادة ضبط الهيكل، وتعزيز الجودة، وبناء قاعدة بيانات حية تعكس الواقع لا تتزيّن له. كان فيها جانب من التخطيط المحكم، وجانب من المتابعة الصارمة، وجانب من بناء الروح. فالتعليم بلا روح جسد بلا حياة. وكلما تشعّبت النقاشات، ازددنا إيمانًا أن الاختلاف ليس عائقًا، بل قوة. فالطريق إلى الحقيقة لا يمر عبر تكرار الأصوات، بل عبر تنوعها. وحين خرجت الآراء متباينة، لم نفقد بوصلتنا، بل وجدنا أن تعدد الزوايا يزيد الصورة وضوحًا. وكأننا كنا نعيد اكتشاف معنى الشورى، الذي هو في جوهره قوة الأمة حين تُحسن إدارة اختلافها.
زنجبار، ببحرها وتاريخها، لم تكن مسرحًا جانبيًا، بل كانت جزءًا من الرسالة. جزيرة جمعت في تاريخها الهندي والعربي والإفريقي، بدت وكأنها تقول لنا: الحضارة لا تُبنى إلا حين يتلاقى المختلفون على مائدة واحدة. والتعليم، في نهاية المطاف، هو أعظم مائدة يمكن أن يجتمع عليها الناس. بعد 72 ساعة، ونحن نستعد للمغادرة، أدركت أن ما جرى ليس اجتماعات عادية ولا تقارير روتينية. لقد كان حدثًا أكبر: كان كتابة فصل جديد في قصة التعليم كروح تبني الحضارة. ومهما قست الظروف أو ضاقت الإمكانات، فإن الأمة التي تملك جامعاتها وصدق رسالتها، تملك مستقبلها.
وإذا كان التاريخ قد حفظ أسماء الفاتحين والملوك، فإنه لا ينسى أبدًا من حملوا شعلة التعليم. لأن الحضارات، كما قال طه حسين: “تبدأ من الكلمة وتنتهي عندها. ” ونحن أردنا في زنجبار أن نؤكد أن الكلمة ما زالت قادرة على بناء أمة، إذا صيغت بصدق وعاشت بروح.
غادرت الجزيرة، لكن بقي في القلب يقين لا يتزحزح: أن التعليم ليس مشروعًا إداريًا، بل رسالة خالدة، وأن كل دقيقة قضيناها في النقاش والتخطيط والمتابعة لم تكن جهدًا عابرًا، بل كانت لبنة في بناء ممتد. وكما قال مالك بن نبي: إن مشكلة أي أمة هي مشكلة أفكارها. ونحن أردنا أن نضع الفكرة الصحيحة في مكانها الصحيح، لتظل الجامعة بعد ثلاثة عقود، لا مجرد مؤسسة، بل مشعلًا للروح، ومنارة للحضارة.