حين أبحرت الإنسانية لتوقظ الضمير

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في لحظة سكونٍ عانق فيها البحر سرَّ الأرض والسماء، أبحرت الإنسانية لتوقظ الضمير. لم يكن الفجر عاديًا، كان البحر صامتًا كأنه ينتظر قصة مختلفة تُكتب على صفحته. الأمواج تتراقص كأهداب السماء على وجه الأرض، والسفن الصغيرة تنطلق كأنها طيور بيضاء تحمل في أجنحتها أكثر من حمولة الأدوية والمواد الغذائية. كانت تحمل أحلامًا وضمائر حيّة، أرادت أن تقول للعالم: الإنسانية لم تمت، وأن الخير ما زال يبحر رغم الحصار ورغم صمت العالم. لم يكن في أسطول الحرية مجرد متطوعين أو طواقم تعمل تحت رايات وطنية. كان الإنسان هو السفينة الحقيقية، والإرادة هي الشراع، والرحمة هي الرياح التي تدفعها. هنا تتوقف السياسة والخلافات، هنا تتلاشى الحسابات المصلحية، وتبدأ لحظة الوعي بأن العالم ليس كله شياطين وأشرار. هنا ينهض القلب ليقول: ما زال في الأرض من يحمل الإنسانية أكثر ممن يدّعون النجاة في زمن الغرق أو الهداية في زمن التيه.

المشهد الذي لم يكتبه أحد من قبل

أيها القارئ، قبل أن ترى البحر والسفن، تهيأ لتسمع همس الضمير وهو يوقظ فيك ما قد غفا طويلًا.
تخيل نفسك جالسًا على شاطئ هذه الكلمات، ترى البحر، الموج، قوارب صغيرة تكاد تختفي بين المد والجزر، وكل قارب يحمل إنسانًا بعزيمة تتحدى الفقر والظلم والظلام. لم تكن هناك كاميرات ولا صحف، كان الضمير الحي هو الراصد الوحيد.
والسؤال العميق يطفو: ما الذي يجعل الإنسان يتحرك رغم المخاطر؟ الرحلة لم تكن عن القوة، بل عن الرحمة المشتركة بين البشر. عن صمتنا الطويل، عن تلك اللحظة التي ندرك فيها أننا بحاجة إلى أن نرى أنفسنا بعيون الآخرين. نحن الذين نرفع شعارات الصواب والخطأ، الدين والكفر، من نحن لنقرر من على صواب ومن على خطأ، ومن يستحق النجاة ومن لا يستحق.

الأصوات العظيمة تصنع الرؤية

يأتي هنا صدى كلمات العظماء والحكماء: قال ألبير كامو: “في وسط الشتاء، اكتشفت أن في داخلي صيفًا لا يُقهر”… وكأن أسطول الحرية أبحر ليوقظ ذلك الصيف الداخلي في كل قلب يقرأ القصة. وقال الإمام علي رضي الله عنه: “الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق”… وهنا، على ظهر السفن، اجتمع الغرباء من كل الأرض، ليكونوا إخوة في الإنسانية، ولو لم يجمعهم دين أو وطن. وقال جبران خليل جبران: “إنما الناس بشر، إذا فقدوا الإنسانية فقدوا كل شيء”… وهنا تُختبر هذه الإنسانية، في وجوه الأطفال المحاصرين، في عيون المرضى، وفي صمت البحر الذي لا يعرف الكذب. • وقال مانديلا: “قد لا تكون البداية بيدك، لكنك تستطيع أن تصنع النهاية”… والأسطول صنع نهاية وهمٍ كبير اسمه: “الصمت أفضل من الفعل”. وقال غاندي: “الطريقة الوحيدة لتجد نفسك هي أن تفقدها في خدمة الآخرين”… وهكذا وجد ركاب الأسطول أنفسهم في وجوه المحاصَرين، ووجدوا صيفهم الداخلي في قلب شتاء العالم الطويل.

المرايا التي نرى فيها أنفسنا

أسطول الحرية ليس مجرد خبر. إنه مرآة لكل قارئ. يسألك أنت: هل كنت سأقف هنا، أم اكتفيت بالتصفيق من بعيد؟ هل الإنسانية في دمي، أم تعلمت أن أراها فقط على صفحات الجرائد؟كل قارئ هو سفينة، وكل قارئ شريك في هذا المشهد. إن لم تركب البحر، فاعلم أن قراءة القصة وحدها تصنع فرقًا: فرقًا في قلبك، في وعيك، وفي نظرتك للآخرين.

الإنسانية بلا حدود

لقد ألغى الأسطول كل التصنيفات: مؤمن وكافر، صديق وعدو، قريب وبعيد. بقيت الإنسانية، لغة مشتركة لا تحتاج ترجمة. وعندما نقرأ في عيون هؤلاء البشر المجهولين، ندرك أن العالم ليس كما نتصور، وأن الخير لم يختفِ بعد. كما قال النبي ﷺ: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”… وهنا تتسع الدائرة لتشمل حتى من لم يشاركنا الدين، لكنه شاركنا الألم والجرح والإنسانية

دروس للحياة والسياسة والروح
• السياسة: لم يكسر الأسطول الحصار بمفرده، لكنه كسر صمت العالم. الدرس أن الفعل الأخلاقي يمكن أن يبدأ من أي نقطة، مهما بدت صغيرة.
• الحياة: أن الإنسان أعظم من جغرافيا وأقوى من حدود، ما دام القلب حيًا.
• الروح: أن الرحمة لا تُقاس بالمصلحة، بل بقدرتنا على أن نكون جسدًا واحدًا في عالم يتفتت.

القارئ شريك الرحلة

أيها القارئ، هذه القصة ليست مجرد كلمات، إنها رحلة أنت مسافر فيها. كل مرة تتأمل فيها الأسطول، تسأل نفسك: ما الأسطول الذي أبحر به في حياتي؟ هل أحمل رحمة وكرامة وعدلًا، أم اكتفيت بالمشاهدة؟ وكما حمل الركاب الطعام والأمل، يمكنك أن تحمل شيئًا أكبر: اليقين بأن الإنسانية هي الحقيقة الأسمى، وأن الخير لا يزال يبحر في قلوب البشر، حتى لو غاب عن العيون الأخرى.

البحر لا يكذب والضمير حي

البحر لا يكذب، فهو يحفظ كل صرخة وكل دمعة. وأساطيل الحرية ستظل في ذاكرة العالم رمزًا لكل من يريد أن يثبت أن الإنسانية حيّة.
لن يذكر التاريخ عدد السفن ولا عدد الركاب، لكنه سيذكر أن البحر يومها لم يعد مجرد ماء، بل صار مرآةً للضمير الإنساني. اللهم أيقظ فينا الضمير قبل أن تغرقنا أمواج الصمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top