حين قُصفت القيم قبل أن تُقصف المدن

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في ليلةٍ من ليالي الخليج التي يختلط فيها هدوء البحر بصفير الرياح، انطلقت الحكاية التي لم يجرؤ أحد على كتابتها. لم يكن الأمر مجرد طائرات تجوب السماء، ولا صواريخ تهوي على أرضٍ صغيرة المساحة عظيمة الأثر؛ بل كان قصفًا من نوعٍ آخر: قصفٌ للكرامة، للسيادة، للحق في أن تقول “لا” حين يتطلب الموقف أن تُقال.

كانت قطر آنذاك مثل جزيرة من نور، صغيرة في عين الجغرافيا، لكنها كبيرة في عين التاريخ. تحيط بها أمواج التحديات من كل صوب، وتتصاعد الأصوات من حولها: أصوات تريد إخضاعها، وأخرى تهمس بأن الصمود ثمنه العزلة. وبين هدير تلك الأصوات، كانت ثمة صرخة صامتة ترددها الدوحة: “لن يُطفأ نور الفكرة وإن أُطفئت الأنوار.”
القصف، في معناه الرمزي، لم يكن صاروخًا يفتت الإسمنت، بل كان طعنًا في حق الأمة أن تمتلك رأيًا مستقلًا. لقد كان محاولة لتجريد بلد صغير من روحه، كما قال غاندي: “القوة لا تأتي من القدرة الجسدية، بل من الإرادة التي لا تُقهر.” وها هي قطر قد أدركت أن المعركة لم تكن معركة حدودٍ، بل معركة مبادئ.

في السرديات الكبرى للأمم، دائمًا ما نجد أن لحظة القصف ـ أكان ماديًا أو معنويًا ـ تكشف معادن الرجال والنساء. ففي لندن خلال الحرب العالمية الثانية، حين سقطت القنابل الألمانية على الأحياء، خرج تشرشل ليقول: “لن نُخضع، ولن نستسلم، حتى لو احترقت المدن.”وفي الدوحة، وإن لم تهوِ الصواريخ على أبراجها، إلا أن الحصار كان صاروخًا من نوع آخر، يسعى لخنق الهواء قبل أن يضرب الجدران. القيمة الحقيقية للقصف ليست فيما يُدمَّر من حجارة، بل فيما يُختبر من إنسانية. كانت قطر في تلك اللحظة مرآة للأمة كلها: هل يمكن لدولة صغيرة أن تقول للعالم “أنا موجودة، أنا حرة، أنا قادرة أن أبني بيديّ وأحلم بقلبي”؟

وهنا تبرز المشاعر التي لا توصف. قلوب الناس التي تابعت المشهد لم ترَ في الدوحة مجرد عاصمة خليجية، بل رأت فيها رمزًا للإنسان الصغير الذي يقف أمام الطغيان الكبير. تذكرت القلوب قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “لا تُعرف الرجال بالحق، ولكن اعرف الحق تعرف أهله.” لقد كان الحق هنا هو البقاء على المبدأ، مهما كانت الكلفة.
والقصة لم تكن قطرية خالصة، بل كانت قصة كل إنسان رفض أن يُسحق تحت عجلات الاستبداد. كانت قصة الطفل الذي يريد أن يحلم، والأم التي تريد أن تطمئن، والشاب الذي يريد أن يبني، والشيخ الذي يريد أن يورث معنى الكرامة قبل أن يورث العقار.

إن القصف الذي لا يُنسى هو القصف الذي يُوجه إلى الروح. ومن رحم القصف يولد سؤال أخلاقي أكبر: ما جدوى القوة إن لم تكن في خدمة العدالة؟ ما معنى السيادة إن لم تُبْنَ على احترام سيادة الآخرين؟ وهنا نستحضر مقولة نيلسون مانديلا: “الحرية لا تُمنَح، بل تُنتَزع.” لقد انتزعت قطر حريتها بالصمود، لا بالصواريخ. على امتداد السرد، يكتشف القارئ أن قطر لم تكن تقف وحدها. كان بجانبها أولئك الذين آمنوا أن الإنسانية أكبر من السياسة، وأن الأخلاق أسمى من المصالح. ومن هنا، يتجلى البعد الأعمق: أن المعركة الحقيقية ليست بين دول، بل بين منظومتين من القيم: قيم ترى العالم حديقةً مشتركة، وقيم تراه غابةً لا مكان فيها إلا للأقوى.

القصف الذي استهدف قطر كان اختبارًا للإنسانية كلها. فهل العالم مستعد أن يقف مع الحق حتى لو كان صغيرًا، أم أنه سيظل أسيرًا لمعادلة القوة المادية؟ الجواب يظل مفتوحًا، لكن السرد القطري كتب صفحة لا تُمحى: صفحة تقول إن الصوت الصغير حين يتكلم بالحق يصبح أعلى من هدير المدافع. وفي ختام هذا المقال الذي حاول أن يلامس ما لم يُكتب، يبقى الدعاء هو البلسم: اللهم اجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين. اللهم اجعل القصف الذي يتوجه إلى قيمنا وأخلاقنا يرتد على أصحابه. اللهم ارزقنا شجاعة قول الحق، وصبر الثبات عليه، ورزقًا من عندك يغنينا عن كل من أراد لنا السوء. اللهم احفظ الإنسانية من أن تُقصف، واحفظ القلوب من أن تُمحى، واحفظ المبادئ أن تُباع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top