المعدن بين بريق المنفعة وصفاء الإخلاص

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

كل مؤسسةٍ كالسفينة، لا يُختبر إخلاص ركّابها في صفاء البحر، بل حين تهبّ رياح التغيير. في الأجواء الهادئة، الجميع يبتسم، الكل يتحدث عن الولاء والانتماء، وتعلو الشعارات التي تبدو براقة في مجالس الاجتماعات. لكن حين تُعلن إدارة المؤسسة عن تغييرٍ هيكليٍّ، ولو بسيطٍ في ملامحه، تنكشف الطبائع كما تنكشف المرايا في ضوء الشمس: يقترب من يرى في التغيير فرصة للنمو، ويبتعد من يظنه تهديدًا لمصالحه.

هنا، تبدأ الرحلة الفاصلة بين الإخلاص والانتفاع. ففي كل مؤسسة، هناك من يتقرب حين يكون القرب منفعة، ويبتعد حين يكون القرب مسؤولية. وحين يلوح التغيير في الأفق، تراهم يتراجعون خطوتين إلى الوراء، لا لأنهم لا يفهمون الرؤية، بل لأنهم يخشون أن تُعيد الرؤية ترتيب المقاعد. هؤلاء لم يدركوا أن المؤسسات الحية لا تُدار بالمجاملات، بل بمقاييس الأداء والسلوك، وأن الهيكل الإداري ليس خريطة سلطة، بل منظومة عدالة تُعيد كل ذي مكان إلى مكانه الحق، لا حيث يريد، بل حيث يستحق.

قال بيتر دراكر: “الثقافة التنظيمية تلتهم الاستراتيجية على الإفطار.” وما لم تُبنَ هذه الثقافة على الثقة، فلن تُثمر أي هيكلة مهما كانت دقيقة. إن جوهر كل تعديل إداري ليس في الأسماء التي تُنقل أو المهام التي تُوزّع، بل في تجديد الإيمان بالغاية. التغيير الحقيقي يبدأ حين تتحول النية من حفظ الكرسي إلى خدمة الهدف. من اعتاد أن يقيس قيمته بقربه من صانع القرار، سيجد في التغيير خصومة، بينما من يقيسها بأثره في الأداء، سيجد في التغيير حياة جديدة.

في كل إدارةٍ، هناك لحظات تختبر المعدن الإنساني أكثر من أي تدريب أو تقييم. فحين تُعلن القيادة عن “إعادة هيكلة”، يظهر نوعان من الناس: نوعٌ يُسارع ليقول: “أين مكاني؟” ونوعٌ يسأل: “ما دوري في تحقيق الرؤية القادمة؟” الأول يضع نفسه في المركز، والثاني يضع المؤسسة في القلب. ولهذا قال جون ماكسويل: “القائد الحقيقي لا يبحث عن المكان الأعلى، بل عن المكان الأنسب.”

في المؤسسات التي تُبنى على الإنصاف، لا يُقصى أحد لأنه قيل فيه، ولا يُكرم أحد لأنه قيل له. بل تكون العدالة مقياس التوزيع، والأداء مرآة التقدير، والسلوك أساس الثقة. فحين تُبنى القرارات على التقييم الفعلي للأداء والسلوك، تنتفي المجاملة، ويبقى الإنصاف وحده هو المعيار. حينها فقط، يطمئن كل موظفٍ أن مكانه لم يُمنح له، بل استحقّه. ويفهم أن الهيكل الجديد ليس خصمًا من قدره، بل فرصة لتصويب المسار.

في بعض المؤسسات، يحدث أن يُظنّ الإصلاح خصومة، وأن التغيير إقصاء. وهذا – يا للأسف – خطأ في قراءة النوايا قبل أن يكون خطأ في فهم الإدارة. فالقائد الذي يجرؤ على إعادة ترتيب الأوراق لا يسعى إلى هدم أحد، بل إلى إعلاء المصلحة العامة على المصلحة الشخصية. ومن يظن نفسه مقصودًا بكل قرارٍ تنظيمي، إنما يُعلن خوفه من التقييم قبل أن يُقيَّم فعلًا. وصدق من قال: ” الناس يرون العالم لا كما هو، بل كما هم.” فمن اعتاد أن يقرأ القرارات بعين الظن، لن يرى فيها فرصة، بل تهديدًا. أما من تعلّم أن يقرأها بعين المصلحة العليا، فسيكتشف أن كل تعديلٍ يحمل في جوهره رسالة: “دع الأفضل يتقدم، ودع الصادق يقود.”

في علم الإدارة، الهيكل التنظيمي ليس “سوطًا” للتصحيح، بل “خريطة” لتوزيع الكفاءة.

إنه أداة لتوازن القوى بين المهارة والأمانة، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

“من ولي من أمر الناس شيئًا فولّى رجلًا محاباةً، فعليه لعنة الله.”

تلك الجملة التي تختصر كل فلسفة الحوكمة الحديثة قبل أن تُكتب في كتب الإدارة بقرونٍ طويلة.

ولذلك، على كل من يعمل في مؤسسة أن يُدرك أن القرب من القيادة لا يُقاس بالمسافة، بل بالنية.

فمن اقترب لينفع، لا لينتفع، فهو قريبٌ وإن ابتعد.

ومن ابتعد ظنًّا أن التغيير يطاله، فقد حكم على نفسه بالغربة ولو بقي في مكانه.

إن المؤسسات الناضجة لا تُكافئ الولاء للأشخاص، بل الولاء للمقاصد.

ولا تُقيم الناس بما قالوا، بل بما قدّموا.

ولذلك قال أحد العظماء في الإدارة اليابانية:

“لا تُسند المهمة لمن يجيد الكلام عنها، بل لمن يُنهيها قبل أن يتحدث.”

حين ننظر في تاريخ المؤسسات الراسخة، نجد أن كل مرحلة إصلاحٍ كانت محفوفة بالتوجس، لكنها كانت أيضًا بوابة للتميز.

فمن رضي بالمكان الذي يضعه فيه التقييم، نال احترام الجميع،

ومن قاومه بدافع الخوف، خسر احترام نفسه أولًا.

القائد العادل لا يغيّر الناس، بل يغيّر مواقعهم لتزدهر قدراتهم.

فكم من موظفٍ ظنّ أن نقله عقوبة، فإذا به يكتشف أنه أُعطي فرصة للظهور حيث يُبدع.

وكم من آخر ظنّ أن بقاءه مكسب، فإذا به يُستهلك في مكانٍ لم يُخلق له.

إن فن توزيع الأدوار ليس امتيازًا إداريًا فحسب، بل حكمة إنسانية.

وقد قال الرافعي في سياقٍ آخر:

“الناس في الحياة كالمفاتيح، كلٌّ له باب.”

وهكذا هي المؤسسات، لا تستقيم إلا حين يُفتح كل بابٍ بمفتاحه الصحيح.

وحين يُعلن عن تعديلٍ هيكلي، لا بد أن يُقابَل بوعيٍ إداري راقٍ،

يفصل بين النقد البنّاء والاعتراض الشخصي،

بين صوت المصلحة العامة وهمس الذات.

فالمؤسسات الكبرى لا تنجح لأن قراراتها كلها صائبة،

بل لأنها تمتلك روح التعلّم من القرار بعد صدوره، لا روح التذمّر منه قبل فهمه.

إن التغيير الهيكلي لحظة صادقة تكشف معادن الناس.

منهم من يقترب أكثر، لأنه يرى في التبديل فرصةً للإسهام.

ومنهم من يبتعد، لأنه ظنّ أن المقصود هو شخصه لا موقعه.

لكن سيرة المؤسسة تُكتب بين الاثنين:

بين من يؤمن أن البناء عمل جماعيّ،

ومن لا يرى في الجدار إلا لبنة نفسه.

ولذلك قال جون كينيدي في حكمةٍ سياسية تصلح لكل المؤسسات:

“التغيير قانون الحياة، ومن يركّز على الماضي فقط، يفقد الحاضر والمستقبل معًا.”

ختامًا، حين تهبّ رياح التغيير في أي مؤسسة، لا تكن من الذين يختبئون خلف الأبواب،

بل من الذين يفتحون النوافذ ليستقبلوا هواء التجديد.

فالمناصب زائلة، والمكانة باقية لمن أبقى أثره لا اسمه.

وفي لحظة التغيير تُكشف المعادن،

فيقترب المخلصون لأنهم يرون في التبديل فرصة للإصلاح،

ويبتعد المترددون لأنهم ظنّوه تهديدًا للمكان.

وما بين الاثنين تُكتب سيرة المؤسسة،

لتُخلّد أن النجاح لا يصنعه من حضر ساعة المكافأة،

بل من بقي صادقًا في ساعة التغيير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top