الصوت لا يصنع الخلاف، بل غياب الفهم يصنع المسافة

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في كل مؤسسةٍ، كما في كل حياة، ثمة لحظاتٌ لا تُقاس بضجيجها، بل بما تكشفه من معادن النفوس. إنها اللحظات التي يتعثر فيها الحوار، ويرتفع فيها الصوت، وتختبر القيادة قدرتها على التمييز بين الانفعال الإنساني وبين الخلل المؤسسي. فليس الصوت العالي دائمًا دليل ضعف، ولا الصمت المطلق برهان حكمة، بل إن القيادة الواعية وحدها هي التي تُبصر ما وراء الطبقات الصوتية، لتسمع المعنى لا النبرة، والفكرة لا الغضب.

تُروى في دهاليز إحدى المؤسسات قصة تبدو بسيطة، لكنها تختصر علم القيادة كله. بدأت الأمور بمكالمة بين زميلين عبر الهاتف، حيث ارتفعت الأصوات أثناء النقاش حول جزئية إجرائية بسيطة، دون أي تجاوز للصلاحيات، ودون أن يكون الخلاف على قرار مصيري. بعد ذلك، جاء الشاكي ليعرض ما دار بينهما على المسؤول الأعلى، مقدمًا الشكوى بما في ذلك رفع الصوت، فظهر المشهد كما أنه اختبار حقيقي لثقافة المؤسسة. استدعى المسؤول الزميل، فاعترف بأنه كان تحت ضغط نفسي شديد أثر على هدوئه، ولم يقصد أي إساءة، بينما رد الآخر بنبرة مرتفعة. هنا لم يغضب المسؤول، ولم يتسرع بالحكم، بل قال بهدوء، كميزان الذهب: “من رفع صوته أخطأ بنسبة سبعين إلى ثمانين في المئة، ومن ردّ عليه أخطأ بنسبة عشرين إلى ثلاثين في المئة.”

قالها دون أن يُهين أحدًا، ودون أن يُبرئ أحدًا، فكانت عبارته ميزانًا دقيقًا بين العدل والرحمة، لا يكسر نفسًا، ولا يُسكت حقًا. فهو يدرك أن القيادة لا تُقاس بعدد القرارات، بل بكم النفوس التي تحافظ على توازنها وسط العواصف. ثم جاء الحديث عن الاتصال الأصلي عبر البدالة، الذي كان السبب من البداية: استفسار الزميل عن معلومة بسيطة ضمن حدود الصلاحيات. وقد أعاد المسؤول التأكيد أن التواصل المباشر حق طبيعي، وأن النظام لا يُقصد به كبح المبادرة أو تبادل المعلومات، بل لضمان وضوح المسارات والمسؤوليات “العمل المؤسسي لا يُبنى على الحواجز، بل على جسور الفهم. لسنا في قلاعٍ منفصلة، بل في منظومةٍ واحدة تتكامل بالثقة والتواصل.”

كانت الجملة كفيلة بأن تُعيد ترتيب المشهد كله. فالبيئة التي تخشى الحوار، وتُقدّس الشكل على حساب الفاعلية، لا تُنتج إلا الجمود. والتنظيم الذي يحوّل خطوط الاتصال إلى أسوارٍ عازلة، يفقد مع الوقت روح الفريق، ويتحول إلى جزرٍ متنافرة. هكذا، تحوّل الموقفان – رفع الصوت ورفض الاتصال – إلى درسٍ عميق في الوعي الإداري. فالقضية لم تكن “من أخطأ أولًا”، بل كيف نفهم بعضنا حين نخطئ، وكيف نحتوي الانفعال قبل أن يتحول إلى قطيعة.

المعنى الإداري الراقي

ليست الأخطاء في المؤسسات دائمًا في القرارات، بل أحيانًا في تفسير النوايا. كثيرون يظنون أن الصوت المرتفع تحدٍّ للسلطة، بينما هو في جوهره صوت إنسانٍ لم يجد من يحتويه في لحظة ضغط. وكثيرون يظنون أن التزام الصمت حكمة، بينما قد يكون انسحابًا من المسؤولية. الفارق بين الموقفين هو الفهم… والفهم لا يأتي من اللوائح، بل من البصيرة. في الموقف نفسه، حين غادر أحد الطرفين اللقاء دون استئذان، لم يغادر القاعة فقط، بل غادر الحوار ذاته، كمن أدار ظهره لا لشخصٍ، بل لفكرة التعاون. وهنا يُختبر وعي القيادة: هل ستعالج الغياب بالعتاب؟ أم بالاحتواء؟ هل ستغلق الباب أم تتركه مواربًا للعودة؟ القائد الحقيقي لا يُحصي الأخطاء كقاضٍ، بل يقرأها كطبيب، يبحث في الأسباب لا في العقاب. وقد قال بيتر دركر”: المشكلة في التواصل هي وهم أنه قد حدث فعلًا.” وهذا هو جوهر المسافة بين الزملاء في كثيرٍ من المؤسسات: نحن نظن أننا نفهم بعضنا، بينما نحن فقط نسمع بعضنا.

العبرة القيادية

القائد الواعي لا يقيس الانفعالات بمستوى الصوت، بل بصدق النية وراءه. يعرف أن الانفعال لا يُعالج بالانفعال، وأن الحدة لا تُطفأ بالحدّة، وأن المواقف الصغيرة هي التي تكشف عمق الكبار. ولذلك حين قال المسؤول “70% و30%”، لم يكن يقسّم الذنب، بل يوازن بين العدل والرحمة. وحين أوضح أهمية الاتصال بين الوحدات، لم يكن يدافع عن شخص، بل عن روح المؤسسة ذاتها. ففي كل بيئة عمل، هناك من يرى في النظام أداة ضبط، وهناك من يراه أداة خدمة. الأول يختبئ خلفه ليحتمي من التفاعل، والثاني يستخدمه ليبني جسورًا بين العقول. وهنا يتجلى الوعي القيادي: أن تزرع في موظفيك فهمًا للنظام لا خوفًا منه. قال ستيفن كوفي: “عندما نحاول أن نفهم قبل أن نحكم، نكسب الإنسان قبل أن نكسب الموقف.” وهذا بالضبط ما فعله القائد الحكيم في تلك القصة؛ لم يحكم بالهوى، بل فهم الموقف بروحٍ تربوية، جعلت من الخطأ مادة تعليم، لا مادة عقاب.

الإنسانية في القيادة

القيادة، في جوهرها، فن إصلاح المسافة بين الناس. كل سوء فهمٍ في بيئة العمل هو مسافة غير مرئية بين قلبين، تحتاج إلى كلمةٍ طيبة، أو نظرةٍ متفهمة، أو قرارٍ عادل. حين ترتفع الأصوات في المؤسسة، فذلك نداءٌ بأن شيئًا ما اختل في منظومة التواصل. والقائد الراقي لا يُسكت الأصوات بسلطته، بل يُعيد إليها الاتزان بفهمه. وكما قال عمر بن عبد العزيز: “ما ندمت على سكوتي مرة، لكنني ندمت على كلامٍ لم أفهمه كما ينبغي.” فالقيادة ليست أن تتكلم كثيرًا، بل أن تفهم كثيرًا قبل أن تتكلم. وفي إدارة الفرق، تظهر الحكمة لا في المواقف الكبرى، بل في تلك اللحظات الصغيرة التي يُختبر فيها الصبر. حين ترفع الأصوات، يختبر الله صدق النيات. وحين تتباين الآراء، يختبر القائد وعيه. فإما أن يُشعل مزيدًا من النار، أو يُحوّل الشرارة إلى ضوءٍ يرشد الجميع.

الخطر المؤسسي

ليست الحوارات التي ترفع الأصوات هي الخطر على المؤسسة، بل تلك التي تُغلق الأبواب في وجه الفهم. فالصوت، وإن علا، يمكن تهذيبه، أما الجفاء، فإن سكن النفوس، صعب شفاؤه. وحين يغادر أحدهم النقاش دون وداع، يكون قد غادر روح الفريق قبل أن يغادر القاعة. إن المؤسسات، يا سادة، لا تنهار من صراخٍ عابر، بل من صمتٍ طويلٍ يُخفي جهلًا بالفهم، أو كِبرًا في الإصغاء. والمسؤول الذي يتقن الإصغاء إلى ما وراء الصوت، هو من يصنع بيئةً تُشفى فيها النفوس قبل الأوراق.

وختامًا: في مشهدٍ كهذا، تتجلى القيادة الإنسانية. فالمسؤول لم يكن مجرد مديرٍ يوزّع نسبًا، بل كان معلمًا يعيد التوازن بين العدالة والرحمة. والحادثة، رغم صغرها، كانت درسًا في إدارة الانفعالات، وفلسفة التواصل، وبناء ثقافةٍ مؤسسيةٍ ناضجة. إن الصوت لا يصنع الخلاف، بل غياب الفهم يصنع المسافة. وحين يفهم القائد ذلك، تتحول كل أزمةٍ إلى فرصة، وكل انفعالٍ إلى تذكيرٍ بأننا بشرٌ قبل أن نكون موظفين. سلامٌ على كل قائدٍ يسمع النبرة ولا يغفل المعنى، ويعيد للمؤسسة نبضها كلما اختنقت بالحروف. ففي النهاية، ليست الإدارة أن تُصدر الأوامر، بل أن تُحسن الإصغاء إلى الصوت الذي لم يُسمع بعد… صوت الإنسان في داخل كل موظف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top