حوار من أرض الحقيقة… بين الصراحة والقيادة الرائدة

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

في قاعة واسعة، بإضاءة هادئة تمنح المكان إحساسًا بالسكينة والجدية، جلس مسؤول حكومي رفيع المستوى مقابل رئيس مجلس إدارة مؤسسة خيرية رائدة. الطاولة بينهما ليست مجرد قطعة أثاث، بل مساحة لتبادل الصراحة والتفكير العميق، حيث كل كلمة ستُحدث أثرًا في فهم طبيعة العمل المؤسسي.

المسؤول الحكومي: لنبدأ من الحقيقة قبل أي شيء… مؤسستكم لها سمعة طيبة، لكن الواقع لا يرحم، وهناك ثغرات في الأداء المؤسسي يجب أن نواجهها بلا مواربة. أريد أن أسمع منك: ما التحديات الجوهرية التي تراها تمنع مؤسستكم من الوصول إلى مستوى الجودة العالمية؟

رئيس مجلس الإدارة: أقدر صراحتك، فهذا ما يحتاجه العمل المؤسسي. الحقيقة أن أحد أهم التحديات يكمن في التحول من الرؤية الطموحة إلى التنفيذ الفعلي. لدينا برامج ممتازة على الورق، ولكن التطبيق يواجه أحيانًا مقاومة طبيعية للتغيير، سواء من بعض الموظفين أو حتى من الإدارة الوسطى. وهناك خلل في إجراءات الرقابة الداخلية، مما يجعلنا نكتشف بعض الأخطاء بعد فوات الأوان.

المسؤول الحكومي: هذا ما كنت أريد أن أسمعه. فالمؤسسة، مهما بلغت من شهرة، لا يمكن أن تعمل بكفاءة إذا لم تكن هناك حوكمة واضحة ورقابة صارمة. دعنا نتحدث بصراحة: هل هناك فجوة في الامتثال الرقابي لدى مؤسستكم؟

رئيس مجلس الإدارة: أجل، لا يمكننا إنكار ذلك. أحيانًا نجد أنفسنا مشغولين بالإنجازات اليومية، فنغفل عن بعض الضوابط الأساسية للحوكمة. وهناك ضعف في التقارير الداخلية، بحيث لا تصل المعلومات الحيوية في الوقت المناسب إلى صناع القرار. وهذا يؤثر على سرعة الاستجابة واتخاذ الإجراءات التصحيحية.

المسؤول الحكومي: إذن نصل إلى نقطة مهمة: المؤسسات الرائدة لا تُقاس فقط بما تقدمه، بل بمدى قدرتها على اكتشاف الثغرات ومعالجتها بسرعة واحترافية. كيف يمكنكم معالجة هذه الفجوات؟

رئيس مجلس الإدارة: الخطوة الأولى هي تعزيز ثقافة الجودة والامتثال داخل المؤسسة. لا يكفي أن يكون لدينا سياسات مكتوبة، بل يجب أن يشعر كل موظف بأن الجودة هي جزء من هويته المهنية. سنعمل على إعادة تدريب الكوادر، وتطبيق نظام تقييم دوري لكل وحدة، بحيث تكون النتائج واضحة وقابلة للقياس.

المسؤول الحكومي: ممتاز، ولكن هذا يحتاج أيضًا إلى دعم التكنولوجيا والشفافية. في العصر الحالي، المؤسسات التي تعتمد على نظم رقمية متكاملة، وتطبيق مؤشرات أداء دقيقة، تكون أكثر قدرة على كشف أي خلل قبل أن يتفاقم.

رئيس مجلس الإدارة: بالضبط، ونحن بالفعل نخطط لتطبيق نظام رقمي شامل يشمل إدارة المشاريع، الموارد البشرية، والمراقبة المالية. الفكرة أن تكون كل خطوة موثقة، مع إمكانية التتبع والتحليل، لضمان عدم تكرار الأخطاء.

المسؤول الحكومي: لنكن أكثر صراحة: مؤسستكم ليست الوحيدة التي تواجه هذا الواقع. معظم المؤسسات، سواء حكومية أو خيرية، تعاني من ثقافة الإجراءات الروتينية، التي تقتل الإبداع وتضعف القدرة على الابتكار. كيف يمكن لمؤسستكم أن تتجاوز هذه العقبة؟

رئيس مجلس الإدارة: أعتقد أن الحل يكمن في تحفيز القيادة الوسطى وتفويض السلطات بشكل مسؤول. الكثير من القيادات الوسطى يميلون إلى تجنب المخاطرة، خوفًا من العقاب أو النقد. لذلك نحتاج إلى ثقافة مؤسسية تشجع المبادرة والمساءلة المتوازنة. هذا يعني أننا نحتاج إلى إعادة تعريف دور كل فرد داخل المؤسسة وربطه بمؤشرات أداء واضحة.

المسؤول الحكومي: هذا يقودنا إلى نقطة جوهرية: المؤسسات الرائدة لا تُبنى إلا إذا كان هناك توازن بين الاستراتيجية والعمليات اليومية. كثير من المؤسسات تركز على الاستراتيجية دون تطبيقها، أو على العمليات دون رؤية بعيدة المدى. كيف يمكنكم تحقيق هذا التوازن؟

رئيس مجلس الإدارة: الجواب يكمن في التخطيط الممنهج والمتابعة المستمرة. نحن بصدد اعتماد خطة استراتيجية خمسية، تحدد الأولويات بوضوح، مع تحديد مؤشرات قياس الأداء لكل وحدة. وبجانب ذلك، سيتم عقد اجتماعات دورية مع فريق القيادة لمراجعة الإنجازات، ومعالجة أي انحراف عن الخطة.

المسؤول الحكومي: أرى أنكم تلمسون الحقيقة بشكل جيد. لكن هناك جانب آخر… الشفافية مع المجتمع والممولين. المؤسسات الكبرى ليست فقط قيادية في مشاريعها، بل في كيفية إدارتها للموارد وإظهار النتائج. كيف تخططون لتعزيز هذا الجانب؟

رئيس مجلس الإدارة: الشفافية ستكون قيمة محورية في مؤسستنا. سنعمل على تقارير دورية مفتوحة للمجتمع، مع نشر النتائج والنجاحات، وأيضًا التعرف على مكامن الضعف. هذه الخطوة ليست للتجميل، بل لتعزيز الثقة والمساءلة، لأن أي مؤسسة لا تثق بها الشركاء والمجتمع ستواجه صعوبات كبيرة.

المسؤول الحكومي: حسنًا، لننتقل إلى أحد أصعب التحديات: استدامة العمل المؤسسي. كثير من المؤسسات تفشل بعد بضع سنوات بسبب ضعف التخطيط المالي أو الاعتماد الكلي على دعم خارجي. كيف تتجنبون هذا السيناريو؟

رئيس مجلس الإدارة: الاستدامة تبدأ بـ تنويع مصادر التمويل وتخطيط مالي دقيق. نحن نعمل على تطوير صندوق احتياطي ودراسة مشاريع توليد دخل داخلي، بحيث لا تكون المؤسسة رهينة لأي دعم مفاجئ. كذلك، نحرص على تقدير التكاليف الحقيقية لكل مشروع وربطها بالنتائج المتوقعة، لضمان الاستخدام الأمثل للموارد.

المسؤول الحكومي:

هذا ممتاز، ولكنه يتطلب أيضًا ثقافة مؤسسية قوية تجاه المسؤولية المالية. أحيانًا نجد في المؤسسات مساسًا بالمعايير المالية تحت ضغط الإنجاز، وهذا يؤدي إلى مخاطر كبيرة على المدى الطويل.

رئيس مجلس الإدارة:

صحيح، لذلك سنتبنى سياسات صارمة للمراجعة الداخلية والمحاسبة، مع تعزيز وعي الموظفين بأهمية النزاهة المالية. الهدف أن يشعر كل فرد أن المال العام أو الموارد المخصصة للعمل الخيري ليست مجرد أرقام، بل ثقة يجب الحفاظ عليها بكل الطرق الممكنة.

المسؤول الحكومي:

لنلخص: المؤسسات الرائدة تحتاج إلى أربعة عناصر أساسية: حوكمة قوية، جودة مستمرة، شفافية كاملة، واستدامة مالية. من دون هذه العناصر، أي مؤسسة مهما بلغت من النجاح، ستواجه أزمات وجودية عاجلاً أم آجلاً.

رئيس مجلس الإدارة:

وأضيف شيئًا مهمًا… الابتكار والقدرة على التعلم المستمر. المؤسسات لا يمكن أن تبقى رائدة إذا رفضت التعلم من أخطائها أو من التجارب الأخرى. نحن نخطط لبرنامج تبادل الخبرات مع مؤسسات عالمية، وتدريب مستمر للكوادر، وتعزيز ثقافة الابتكار.

المسؤول الحكومي:

حوارنا اليوم يجب أن يكون درسًا لكل مؤسسة: الشجاعة في مواجهة الحقيقة، الصراحة في كشف الثغرات، والالتزام بالحلول العملية. كل مؤسسة تستطيع أن تصبح رائدة إذا تبنت هذه المبادئ بصدق.

رئيس مجلس الإدارة:

صحيح، وما يزيد من قيمة هذا الحوار هو أن نحن القادة يجب أن نكون نموذجًا للشفافية والجودة، فالموظفون والمجتمع يراقبون، ويستجيبون فقط لما يلمسونه من التزام حقيقي وليس كلامًا على الورق.

المسؤول الحكومي:

لنختم هنا، لكن أود أن أترك القارئ مع فكرة: المؤسسات الرائدة لا تبنى بالصدفة، بل بالعمل الجاد، بالتخطيط، بالتقييم المستمر، وبالشجاعة لمواجهة أي ضعف. وحتى الصعوبات الكبيرة، إذا تعاملنا معها بذكاء، تصبح فرصًا للنمو والتطوير.

رئيس مجلس الإدارة:

وأقول للجيل القادم من القادة: لا تخافوا من مواجهة الواقع، بل استخدموه كمرشد لتحسين الأداء، وكونوا دائمًا على استعداد لتعلم ما هو أفضل، لأن المؤسسة التي لا تتطور تموت قبل أن تشعر بالنجاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top