حوار بين رئيس مجلس الإدارة والمدير العام

Getting your Trinity Audio player ready...
محمد تهامي

محمد تهامي

خبير التطوير المؤسسي

كانت القاعة ساكنة إلا من أنفاس الوقت. على الطاولة المستطيلة تلتقي رؤيتان: رؤية ترى من علٍ كمن يتأمل الأفق، وأخرى تمضي من الميدان، بين الناس، في تفاصيل اليوم. جلس رئيس مجلس الإدارة متكئًا على رصانة السنين، وجلس المدير العام أمامه، يحمل على كتفيه إرهاق التنفيذ، وأمل التجديد.

قال الرئيس بصوتٍ متأنٍ يحمل هيبة التجربة: “يا بني، الإدارة ليست كثرة الأوامر، بل دقة الاتجاه… إننا لا نُساق إلى الغايات بالصوت المرتفع، بل بالبصيرة الهادئة.”

ابتسم المدير العام، ورفع رأسه بثقةٍ ينسجها الإخلاص: “سيدي الرئيس، وأنا أومن أن القيادة لا تكون بالجلوس فوق المكتب، بل بالنزول إلى حيث تتسخ الأيدي بتراب الجهد… بين الموظفين، والمستفيدين، والقلوب التي تنتظر الأثر.”

تأمل الرئيس قليلًا، ثم قال: “جميل، ولكن ألا تخشى أن تفقد الرؤية حين تذوب في التفاصيل؟” أجابه المدير العام بابتسامةٍ يعرف فيها الشوق إلى الفهم: “بل أخشى أن نفقد الإنسان حين نرتفع عن الأرض.”

سكت الرجلان. في تلك اللحظة، لم يكن الحوار عن مؤسسة، بل عن فلسفة حياة. كأن الغزالي بينهما يهمس: “ليس العلم ما حفظ، إنما العلم ما نفع.” وكأن الرافعي يقف عند الباب يقول: “ما ضعف من كانت له غاية.”

أطرق الرئيس رأسه وقال: “حين كنت في عمرك، كنت أظن أن القرار هو القيادة. ثم اكتشفت أن القرار بلا بصيرةٍ قد يهدم ما تبنيه سنوات.”

فردّ المدير العام: “وأنا حين جئت إلى منصبي، ظننت أن الحماسة تكفي. ثم عرفت أن الحماسة بلا نظام، كالسفينة بلا بوصلة.”

ضحك الرئيس في رقةٍ نادرة، وقال: “إذن التقينا في منتصف الطريق… أنت تعلمت من الأرض، وأنا تعلمت من العلو.”

فأجابه المدير العام: “والتقاء الأرض بالسماء هو المطر يا سيدي… والمطر وحده يحيي المؤسسة.”

أطرق الرئيس طويلاً. ثم قال بصوتٍ متهدجٍ كمن يراجع عمره الإداري كله: “يا بني، إن المؤسسة التي تنسى رسالتها تتيه ولو حققت أرقامًا. والقيادة التي تبحث عن الأثر لا تخاف من قلة التصفيق.”

فردّ المدير العام بخشوعٍ صادق: “ولذلك أقول دومًا: لسنا هنا لنُخلّد أسماءنا، بل لنزرع أثراً يخلّد الدعاء لنا.”

ارتفع الأفق داخل القاعة، وكأن الزمن توقف. كل جملة كانت تصعد نحو سقفٍ من نور.

قال الرئيس: “دعنا نكتب معًا ميثاقًا بيننا… أنت تزرع اليوم، وأنا أفتح لك الأفق للغد.”

قال المدير العام: “ونتعاهد ألا نُقصي رأيًا صادقًا، ولا نُسكت ناقدًا نزيهًا، ولا نُغلق بابًا يُدخل النور.”

كانت تلك لحظة الميلاد الإداري الحقيقي. لم تعد القاعة مكتبًا، بل وجدانًا واحدًا نبضه الأمانة.

تذكّر الرئيس قول السباعي: “القيادة أن تجعل من حولك يشعرون أنهم شركاؤك لا أتباعك.”

وتذكّر المدير العام قول الغزالي: “من طلب الحق بصدقٍ أعانه الله عليه.”

قام الرئيس من مقعده، مدّ يده إلى المدير العام وقال: “الآن فهمت أنك لا تعمل لدي، بل تعمل معي.”

فردّ المدير العام، والامتنان يملأ عينيه: “وهذا ما كنت أحلم أن أسمعه يومًا… أن نكون فريق رسالة، لا فريق مراكز.”

حين خرجا من القاعة، كان كلٌّ منهما يرى في الآخر مرآةً لنصفه المفقود. الأول وجد في الثاني شبابه الذي لم يذبل، والثاني وجد في الأول حكمته التي لم تنطفئ. وفي أروقة المؤسسة بدأ صوت جديد يُسمع، ليس صوت رئيسٍ أو مديرٍ، بل صوت الروح المؤسسية التي عادت. صوت يقول: “حين تتعانق الرؤية بالتنفيذ، تصحو الأمة من غفوتها.” وهكذا انتهى الحوار بين رئيس مجلس الإدارة والمدير العام، لكن صداه بقي يتردّد في كل اجتماع، وفي كل قرار يُتخذ، وفي كل موظف يوقن أن العمل ليس وظيفة، بل عبادة.

وفي دفتر الرئيس كتب بخط يده: “اللهم اجعل قراراتنا في طاعتك، وأعمالنا في مرضاتك، وسعينا شاهدًا علينا لا علينا.” وكتب المدير العام في دفتره: “اللهم لا تجعل النجاح يغوينا عن الإخلاص، ولا الأرقام تلهينا عن الإنسان.” وما بين الدفترين، كانت المؤسسة تولد من جديد، في زمنٍ لا يولد فيه إلا من صدق مع الله والناس.

وفي مساءٍ لاحق، حين خلا الرئيس إلى نفسه، جلس يتأمل ما جرى كمن يقرأ في كتاب القدر فصلًا جديدًا. شعر أن كل حوارٍ صادق هو نوعٌ من الوحي الإداري، وأن الله يُلقي في قلوب عباده الحكمة بقدر ما يصدقون في نواياهم. تذكر حين كان يتلقى قراراته من أوراقٍ باردة، لا من بوصلة الضمير، فابتسم وهو يقول في نفسه: “الفرق بين الإدارة والقيادة، كالفرق بين الضوء والنور… الضوء يُرى، والنور يُهتدى به.”

وفي ذات اللحظة، كان المدير العام يصلي في مكتبه صلاةً هادئةً يغمرها السكون. رفع يديه وقال: “يا رب، إن كنتَ قد جمعتني اليوم مع من يملك القرار، فاجعل قرارنا فيك، لا في أنفسنا.” ثم كتب على ورقة صغيرة: “الإدارة بالعدل عدل، والإدارة بالهوى جور، والإدارة بالنية الصالحة عبادة.”

كان الاثنان – من حيث لا يعلمان – يسيران على نهج محمدٍ ﷺ الذي بنى دولةً من رحم الرحمة، وأدارها بالصدق قبل القوة، وبالنية قبل السياسة. فما كانت قيادته جمعًا للسلطة، بل توزيعًا للثقة، وما كانت قراراته حزمًا جافًا، بل حكمةً تُذيب الخوف وتزرع الطمأنينة.

وحين التقت الأوراق من جديد في اجتماعٍ لاحق، كان على رأس جدول الأعمال بندٌ جديد كُتب بخط اليد: “القيم قبل الأرقام.” تبادل الحاضرون النظرات، وشعر الجميع أن شيئًا قد تغيّر في روح المؤسسة. لم يعد الحديث عن الأرباح والمشروعات وحسب، بل عن المعنى وراء الأثر. لقد فهموا أن المؤسسة التي تُدار بضميرٍ مؤمن، أقوى من تلك التي تُدار بأحدث الأنظمة. وأن الإدارة الربانية لا تحتاج إلى شعاراتٍ براقة، بل إلى قلوبٍ تستشعر أن كل قرار توقيعٌ في صحائف الآخرة قبل أن يكون في دفاتر الدنيا.

وهكذا خُتم الحوار، لكن ما بدأ كاجتماعٍ إداريٍّ، انتهى كرسالةٍ إنسانيةٍ تُدرَّس في فن القيادة بالنية والعدل،

وكأن صوت الغزالي يتردد في أرجاء المكان: “من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن نوى لله عمله بلّغه الله ثمرته.” فانطلقت المؤسسة تمضي في طريقها كما تمضي شمس الفجر في صفحة الأفق، تُضيء بلا ضجيج، وتُنبت بلا استعراض، تحمل في جوفها وعدًا أن كل مؤسسةٍ تُدار بالإخلاص، لا بد أن تشهد يومًا فتحًا يشبه “محمد الفاتح” حين قال: “بالإيمان تُفتح القلاع، لا بالحديد.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top