|
Getting your Trinity Audio player ready...
|

محمد تهامي
خبير التطوير المؤسسي
في صمتٍ يتدلّى من سقف الكون، حيث لا زمان يقيّد اللحظة ولا مكان يحدّ البصيرة، جلس العقل على صخرة الفكر، يلمع بوميض التحليل وجلست الروح على بساط السكينة، يشعّ منها نور لا يُقاس. نظر العقل إلى الأفق المجرّي وقال بصوتٍ يقطر إدراكًا: “من أنا؟ ولماذا وُضعت في هذا الجسد الذي يتعبني بحاجاته؟ أُفكّر في كل شيء، فأزداد غموضًا في كل شيء!”
ابتسمت الروح، وكأنها تبتسم منذ الأزل، وقالت بهدوءٍ يوقظ ولا يجرح: “أنت مرآة السؤال يا عقل، وأنا صدى الجواب. أنت تبحث عن الحقيقة، وأنا أتنفسها دون أن أشرحها.” تململ العقل، وبدت على ملامحه علامات الاستفهام: “لكني أنا من يُدرك، أنا من يزن، أنا من يحلّل. كيف تكونين أنتِ أقرب إلى الحقيقة وأنتِ لا تعرفين البرهان؟”
أجابت الروح: “لأن البرهان يا صاحبي يحتاج إلى نورٍ من وراء المنطق. ألم يقل الإمام الغزالي: العقل كالمرآة، لا يُرى فيها النور إلا إذا سقط عليه ضوء القلب؟ أنت تحتاج إليّ كما يحتاج البصر إلى الضوء ليرى.”
سكت العقل برهة، ثم قال كمن يُراجع خلقه: “ربما… لكني أملك أدواتي، أوزن الأمور بالقوانين. لقد علّمني الخالق كيف أميّز بين السبب والنتيجة، بين الممكن والمستحيل.”
ردّت الروح بابتسامةٍ تُشبه الرحمة: “وهل تعرف ما المستحيل يا عقل؟ المستحيل هو أن تصل إلى الله بالحساب وحده. إنّك تقرأ الكون ككتابٍ من أرقام، وأنا أقرؤه كقصيدةٍ من إشارات. أنت تحسب دوران الكواكب، وأنا أسمع تسبيحها.”
رفع العقل رأسه، وفي صوته شيء من الخشوع: “لكني لا أنكر الإيمان… أنا أبحث عنه بالمنطق. كما قال قيل: “أنا أفكر إذن أنا موجود. أليس الفكر طريق الوجود؟”
قالت الروح: “بل الوجود طريق الفكر. أنت تُثبت نفسك لتؤمن، وأنا أؤمن فأعرف نفسي. قال ابن عطاء الله: “من لم تبدأ معرفته من الله، لم تنته معرفته إلى الله.” فالعقل يرى الله في النظام، أما الروح فتراه في اللطائف التي لا تُفسَّر.”
جلس الاثنان في صمتٍ عميق، وكأن بينهما حوارًا من نورٍ لا يُقال. ثم عاد العقل يسأل، هذه المرة بصوتٍ أكثر رقة: “أتعلمين يا روح، إنني أتعب من القرارات… أفكر حتى أذوب، أوازن حتى أضيع، أختار ثم أشك. أليس من الظلم أن أحمل عبء الاختيار وحدي؟”
قالت الروح برفقٍ كنسمةٍ تمرّ على نهرٍ ساكن: “لا تحملها وحدك… القرار ليس عقلًا فقط، بل صلاة. أنت تُفكّر لتصل إلى الباب، وأنا أطرق الباب بالدعاء. إذا اجتمعنا، فُتح الباب من تلقائه”. ثم أضافت بصوتٍ يشبه البوح الإلهي: “صدق من قال: قلبي قلق حتى يستريح فيك يا رب؟ تلك الراحة لا يمنحها الفكر، بل الحضور. القرار الحقّ ليس ما يرضي المنطق، بل ما يرضي الله.”
أطرق العقل طويلاً… ثم رفع عينيه إليها وقال بصوتٍ يخالطه الدهش: “وماذا عن العلم؟ أليس سبيلنا لفهم الوجود؟ أنا أستكشف الذرّة، أفكّك الجين، أقيس الضوء. أليس هذا من عمق الخلق؟”.
قالت الروح: “بلى، ولكن العلم بلا خشوعٍ كمرآةٍ بلا وجه. ما نفع أن تعرف تركيب النجوم ولا تعرف من زيّنها؟ العلم الحقيقي، حين تُنير العلم بنور الإيمان، يصبح معرفةً لا غرورًا.”
سكت العقل متأملاً… ثم قال: “لكنك عاطفة، والعاطفة تخطئ. ألسنا نحتاج إلى العقل ليهديها؟” ابتسمت الروح وقالت: “بلى، ولكن العاطفة التي مصدرها السماء لا تخطئ. الفرق بيني وبين العاطفة أنني لا أندفع، بل أُلهَم. أنا التي تُوقظ فيك البصيرة حين تُغلق الأبواب، فليس الفكر ما يهديك، بل الوجد حين يشتعل بنور الله.”
اقترب العقل منها، وكأن بينهما اعترافًا عتيقًا: “إذًا أنتِ الطريق الذي يُعيدني إلى المعنى. لطالما ظننتُ نفسي سيّد القرار، فإذا بي عبدٌ يبحث عن طمأنينةٍ فيكِ.”
قالت الروح: “وأنا دونك لا أنطق، فأنا النسيم وأنت الاتجاه. إن الله لم يخلقنا خصمين، بل جناحين، إن طرتَ وحدك تهوي، وإن طرتُ دونك أتلاشى. وحدنا معًا نصير الإنسان الذي أراده الله خليفةً في الأرض.”
نظر العقل إلى السماء، وقد ذاب السؤال في الإجابة، وقال: “الآن أفهم سرّ قوله تعالى: “وفي أنفسكم أفلا تبصرون.” كنت أبحث عنكِ في الكتب، وكنتِ تسكنين في داخلي منذ البداية.”
قالت الروح: “وأنا كنت أراك تجادل لتؤمن، بينما كنتُ أؤمن لتفهم. أنت طريق الحجة، وأنا طريق المحبة. وحين يلتقي الطريقان، يولد النور الذي به يُعرَف الله.” ثم نهضت الروح كأنها ضوء يصعد، وقالت للعقل قبل أن تهمّ بالرحيل: “لستَ وحدك يا عقل، ففيك بذرة النور التي زرعها الله منذ البداية. لكن احذر أن تظن نفسك مصدر الضوء، أنت مرآة لا الشمس. كن متواضعًا في علمك، صادقًا في بحثك، مؤمنًا أن كل فكرة هي نفحة من الخالق لا من الخلق.”
ابتسم العقل، وقد صار أكثر نقاءً مما كان، وقال: وسأظل أتعلم منك يا روح أن الحقيقة لا تُرى بالعين، بل تُحس بالقلب. وأن القرار الأعظم في الحياة ليس ماذا أختار، بل كيف أختار في ضوء الله. ثم سكن المكان… وانعكس وجه كلٍّ منهما في الآخر، فأصبح العقل روحًا تفكر، والروح عقلًا يشعر. وفي تلك اللحظة كتب القدر جملته الخالدة: حين يتصالح العقل والروح، يتكلم الإنسان لغة السماء.
وهكذا ينتهي الحوار الذي لم يشهده التاريخ، حوارٌ لا يُقرأ بعينٍ واحدة، بل بعينين اثنتين: إحداهما من الفكر، والأخرى من الإيمان. وحين تكتمل الرؤية بهما معًا، يكتشف الإنسان أن الخالق لم يضع فيه صراعًا، بل تناغمًا مقدّسًا، يُعيده كل يومٍ إلى معنى الخلق الأول: أن يكون عقلًا يُفكّر، وروحًا تُحبّ، وإنسانًا يشهد على الجمال الإلهي في كل شيء.